موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين (قده) عدد القراءات : 801
الشيخ يوسف عمروُُ العاملي

بقلم : سماحة العلامة القاضي .. الشيخ يوسف عمروُُ العاملي - مفتي كسروان - لبنان

أ ـ الحديث عن الشّيخ (قده) ، والنّجف الأشرف :

الحديث عن سماحة آية الله العظمى الشيخ محمّد أمين زين الدين (قده) ، هو حديث عن حوزة النّجف الأشرف وجامعتها العظيمة ، خلال أكثر من نصف قرن منذ سنة 1930 م ولغاية أيامنا هذه ، حيث قصدها فقيدنا طالباً في ريعان شبابه لطلب العلم على جهابذتها الأعلام .

وحديث عن ما رافق هذا التاريخ من صفحات مشرقة ، من تأريخ العراق، وتأريخ الإسلام ابتدأ بنيل العراق استقلاله ودخوله في عصبة الأمم سنة 1930 م بفضل الله تعالى ، وثورة النجف سنة 1920 م . وزيارة أحد مراجع النجف الأشرف الكبار الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) ، لفلسطين ومشاركته في مؤتمر القدس العالمي سنة 1932 م ، وإمامته لعلماء المسلمين المشاركين في المؤتمر في صلاة العشاء بعد خطبته الشهيرة التي خطبها بين العشاءين ، وفضح فيها المخطط البريطاني الصهيوني على شعب فلسطين . وأعلن فيه رأي النجف الأشرف في الوحدة الإسلامية قائـلاً : أن الإسلام هو دين التوحيد ، وتوحيد الكلمة ، إلى آخر هذه الصفحات المشرقة من حياة الأمة والتي كان لفقيدنا الكبير دوراً في المشاركة في صناعة بعض القرارات العلمية والحوزوية ، ابتدأ من عام 1985 م كما سوف تعرف .

وهو حديث أيضاً عن آل زين الدين الأسرة العلمية المهاجرة من البحرين إلى البصرة ، وحديث عن بني عبد قيس وولائهم لأهل البيت عليهم السلام وعن جهاد هذه العشيرة وخدمتهم للإسلام وللغة العربية وللمُثل العليا للأخلاق .

وهو حديث عن أساتذة شيخنا الراحل وهم من أعلام النجف الأشرف ، وسادتها في الفقه ، والأصول ، والفلسفة الإسلامية ، ومن أصحاب النظريات العلمية في تلك العلوم وهم : الإمام الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني (قده) ، وآية الله السيد حسين البادكوبي (قده) ، وآية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني (قده) ، والإمام السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني (قده) ، والإمام السيد محسن الطبطبائي الحكيم (قده).

وهو حديث عن جمعية العلماء في النجف الأشرف التي تأسست سنة 1958 م في النجف الأشرف لمحاربة المدّ الإلحادِّي الشيوعي في هذه الجامعة برئاسة آية الله العظمة الشيخ مرتضى آل ياسين (قده) حيث كان شيخنا الراحل (قده) ، من أقطابها مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (دام ظله) ، وآية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين (قده) ، وسماحة حجة الإسلام الشيخ كاظم الحلفي صاحب مجلة الأضواء ، التي كانت تصدر عن هذه الجماعة وغيرهم من الأقطاب الذين كانت مواقفهم وأقلامهم مدرسة كبرى للثقافة الإسلامية الحديثة التي وقفت في وجه المدِّ الشيوعي الأحمر في العراق وفي سائر البلاد الإسلامية ومقارعته الحجّة بالحجّة ، والدليل بالدليل كما وقفت هذه المدرسة في وجه المدارس العلمانية و القومية وسائر النظريات الأخرى .

لقد انتصرت هذه الجماعة في معارك كثيرة ، وخسرت في معارك أخرى . ومن أهم الانتصارات التي حققتها الجماعة هو إدخال الإسلام إلى جميع الجامعات في العراق وفي بعض البلاد الإسلامية وفي بعض جامعت الشرق والغرب.

كما استطاع مُلهــِم هذه الجماعة وسيدها الإمام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قده) أن يقارع جميع الفلسفات والمذاهب الاقتصادية الحديثة بالدّليل والحجّة ويثبت بطلانها ويصوغ لهم نظرية المعرفة الإسلامية والمذهب الاقتصادي الإسلامي وأطروحة البنك اللاربوي في الإسلام والأسس المنطقية للاستقراء بأسلوب علمي خاص بذلك .. وهو حديث عن تلامذة شيخنا الراحل ودورهم في المحافظة على العلم والأدب والأخلاق وهم حجج الإسلام ومنهم آية الله الشيخ أحمد البهادلي ، وآية الله السيد حسن بحر العلوم ، والعلامة الدكتور محمد بحر العلوم ، والعلامة السيد إبراهيم الزنجاني ، والعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ، وشقيقه المرحوم العلامة الشيخ علي زين الدين ، وولده العلامة الشيخ ضياء زين الدين ، ومنهم شاعر العراق الكبير السيد مصطفى جمال الدين ( رحمه الله تعالى ) وغيرهم من العلماءِ الأعلام .

والحديث الذي سوف نتكلم عنه في هذه المعالجة هو أسلوب شيخنا الراحل الفريد في بابه والقوي في حجته والرفيع في لغته ..
حيث قيل في ذلك: ((يمتاز الشيخ زين الدين (رحمه الله) بالإضافة إلى غزارة علمه وفقهه بأسلوب رائع وبيان أروع وهو منعكس عن ثقافة واسعة وممتدة إلى خارج الحوزة العلمية مما أدى إلى أن يصبح محور حلقة من الطلبة الشباب الواعي الذي تأثر بأسلوبه المميز وبيانه وأدبه)) .
 

ب ـ الحديث عن أسلوب الشّيخ (قده) :

والحديث عن أسلوب الشيخ (قده) ومنهجه في البحث والكتابة طويل ومتشعب ، سوف نقتصر فيه عن الحديث عن أسلوبه في استنباط فلسفة الأخلاق عند الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وفي رده على نظرية العقد الاجتماعي .

قال (رضوان الله عليه) في رسالته إلى ولده العلامة الشيخ ضياء الدين والمؤرخة في 14 رمضان 1384 هـ الموافق لسنة 1963 م ، شارحاً نظرية العقد الاجتماعي عند الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسَّو المتوفى سنة 1778 م وملخص النظرية ذاتها : إن الطبيعة قد زودت كل فرد من الناس بقسط من القوة يحفظ لنفسه البقاء ، وقسطه هذا من القوة محدود ، وهو لا يملك من القوة زيادةً على ما وهبته الطبيعة منها .. وهاهنا عوائق كثيرة وشديدة تضر بسلامة الأفراد وتهدد بقاءهم في الحال الطبيعية وتقاوم ما لديهم من القوى الخاصة التي يملكها كل فرد ، حيث يصبح بقاء الناس متعذراً وهلاكهم محتوماً .. وليس للناس وسيلة للبقاء والتغلب على هذه المقاومات إلا التكتل .
ثم يتابع (رحمه الله تعالى) شرحه لهذه النظرية التي تنتهي إلى أطروحة وجود دولة ديمقراطية تحمي بقوتها شخص كل مشترك فيها وأمواله وحقوقه مع الاحتفاظ بالحرية الكاملة لكل فرد منهم من خلال العقد الاجتماعي التي تصبح فيه الدولة الديمقراطية قوةً كبرى والجميع عندها سواسية كأسنان المشط بعد أن يضع كل واحد من المشتركين في العقد الاجتماعي شخصيته وجميع قوته شركة تحت إدارة الإرادة العامة بحيث يكون المجموع هيئة ويكون كل عضو جزءاً منها .

وهو يعقِّب على ذلك بأنه إذ باع كل واحد من الأفراد نفسه بأسرها أصبح هذا الشرط متساوياً نحو الجميع ، وإذا كان متساوياً نحو الجميع لم يكن لأحد منهم مصلحة في جعل الشرط ثقيلاً على الآخرين .

كما ذكر (قده) في البداية أن الثورة الفرنسية قامت بعد موت الفيلسوف بأحد عشر عاماً وبعد ظهور كتابه (لعقد الاجتماعي) بثمانية وعشرين عاماً فأحيت ذكر ذلك الفيلسوف وترسمت أهداف كتابه وجعلته إنجيــلاً لها .

كما ذكر (قده) أنّ روسّو لم يكن هو الواضع الأوّل لخطوط هذه النظرية فقد ذهب إليها من قبله الفيلسوفان البريطانيان (جون لوك) المتوفى سنة 1679 م على فارق بين آرائهم في وجه هذه النظرية وفي نتائجها ثم أشار (رحمه الله تعالى) إلى تلك الفوارق .

ثم بيّن وجهة رأي الإسلام في ذلك وأن جميع الناس مشتركون متساوون في العبودية لله والتعلق به والفقير إليه في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إلى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) . [فاطر : 15]
ومن أجل ذلك كان الناس أحراراً في ما بينهم ، فلا سيطرة لأحد على أحد متساوين في الفرص التي تؤهلهم للمقامات الكريمة في قانون الله ثم في عاد جزائه وموفور عطائه
وقوام هذه الصلة بين الإنسان وأخيه الإنسان هي الإيمان بربوبية الله تعالى و وحدانيته في كل شي وكل خير وجده آدك وحواء أو يجده في حياته أو هو يرجوه في ما بعد هذه الحياة فإنما هو أثر من وجود هذه الصلة وفيض من برِّها: ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ )) . [ النحل : 53].
وان ينظر في صلاته بالناس وبالموجودات كافةً على ضوء ذلك النظام الإلهي الرشيد ، فيتوجه بها إلى حيث أراد الله وينصرف بها عمَّا نهى ويقيمها على الأسس التي وضعها الله تعالى ، قال تعالى : (( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ))
[ الرعــد : 19 ، 20 ، 21].
ثم يتابع (قده) الحديث شارحاً قوله تعالى : ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) [ المائدة : 45].
وعلى ضوء ذلك ومن خلال ما تقدم من كلامه الطويل حول نظرية الحكم في الإسلام وعن معنى المبايعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولولِّي الأمر الشرعي من بعد الرسول . حيث قال (قده) : ((والخضوع لله في هذا المجال يتمثل بالخضوع لحكم الله الذي تأخذ به الدولة في كل ناحية من نواحي الحكم ، ونظم الله الذي تطبقه في كل حقل من حقول الحياة ، والدولة إذا لم تمثل حكم الله ولم تنتهج هُداه فلا حق لها في طاعةٍ على أحدٍ أبداً ، وقول الله في هدمها صريحةٌ قبل قول الأمة ...)).
 

جـ ـ المذهـب الأخـلاقي عنـد الإمام الصادق عليه السلام :

وأمّا كلام شيخنا الراحل عن المذهب الأخلاقي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام من خلال كلمات ووصايا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، فهو كلام قارن فيه المذاهب الأخلاقية عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، وكيف بينه وأوضحه للخاصة وللعامة حيث وجد فيه الأمييّ ما أدركه بالفطرة ، وقرأ فيه الفيلسوف ما أثبته بالبرهان .
قال شيخنا الراحل (قده) منتقداً الدكتور أحمد أمين في كتابه عن الأخلاق : "ولعلنا نحاسب الأستاذ أحمد أمين عن نظرته إلى الأخلاق في الإسلام فإنَّ علاقتها باللفظ أشدُّ من علاقتهما بالمعنى والأستاذ حين يتسرع بإرسالها يشبه البسطاء الذين يكتفون في معرفة الشيء بظواهره التشكيلية ". ص 16
ثم تكلم (رحمه الله تعالى) عن أسلوب الإمام الصادق عليه السلام فيقول : " عَلِمَ الإمام الصادق عليه السلام بذلك ، وعَلِمَ أن لهؤلاءِ العامة أنها ما لا تقبلُ المصطلحاتِ الغربية ، ولا تستسيغ العبارات البعيدة . فكان لزاماً عليه أن يوضحها لهم على حسب ما يدركون ، وأن يترجمها لهم بما يفهمون ، فكان من أبرع من أوضح وأدقُ من ترجم ، على أن أكثر ما يهتم به المثاليون من قادة الدِّين هي ناحية التطبيق من على الأخلاق ، لأنها أكثر دخلاً في التوجيه الخلقي الذي يهتم به الدِّين . ولأن الوحي قد كفاهم مؤونة الاستقراءِ ، وأراحهم من عَناءِ البحث "
ولو أردنا أن نتكلم من سائر آثار شيخنا الراحل (قده) في مصنفاته العديدة ، وفيما تركه لنا في مجلة الأضواء وفي رسالته العلمية ـ كلمة التقوى ـ وعن مبانيه في الاستنباط ، وعن شعرهِ وأدبه ، وعن مواقفه من المدّ الإلحادي والشيوعي في العراق عندما منعوه من طباعة كتابه <الحجاب بين السّلب والإيجاب> ، وعن رسالته لوزير الأوقاف في مصر الشيخ الباقوري بمناسبة اعتراف الحكومة المصرية بالمذهب الجعفري وغير ذلك لبلغ بنا المقام حداً كبيراً من الاستطراد .
وحسب شيخنا الراحل (قده) أنه كان من أقطاب جماعة العلماء في النجف الأشرف ، ومن أساتذة الحوزة العلمية الكبار ، ومن مراجع العلم والتقوى في النجف الأشرف الذين تُشدُّ إليهـم الرحال بعيد وفاة الإمام الخوئي (قده) في 8 آب 1992 م ومن المدافعين الكبار عن مدرسة أهل البيت عليه السلام في تصديه للدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدويَّة وفي بيانه لجهاد الإمام الحسن من خلال صلحه مع معاوية وفي غير ذلك من مواقف وآراء.
وفي مرجعيته للمدرسة الإخبارية عند الشيعة الإماميَّة في القرن العشرين .

رحم الله تعالى شيخُنا الراحل وجزاه عن الإسلام وعن أهـل البيت خير جزاء ، وحفظ الله تعالى الحوزة العلمية في النجف الأشرف عن كل مكروه ، وأدامها الله تعالى ذُخراً للإسـلام وللعم وللتقوى وللغة الضَّاد ..
إنه سميع الدعاءِ مجيدٌ حميد .. أمين .
مصدر البحث .. كتاب (علماء عرفتهم) للقاضي الشيخ يوسف عمروُ ـ مفتي كسروان لبنان.


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33139 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟