موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
زين الدين والشباب عدد القراءات : 754
الشيخ شاكر الفردان

زين الدين والشباب

الشباب فئة عمرية ، لها خصوصياتها التي تميّزها عن بقيت الفئات ، لها آلامها وآمالها ، لها لغتها التي تتحدث بها وسلوكيتها التي تنسجم معها.
من أجل هذا أصبحت هذه الفئة محطّ أنظار الجميع ، منهم من يبني الآمال عليها ويعيش التفاؤل بها ، ومنهم من يعيش الإحباط واليأس منها ، منهم من ينفتح عليها ويستوعبها ، ومنهم من ينفر منها ويدير ظهره إليها .
بقلم : الشـيخ شاكر الفردان-- البحرين

الشباب شعلة وهاجة ، وروح تنبض بالحركة ، إنها مرحلة القوة والفاعلية والنشاط ، ولعلها أبرز خصوصية تميزها ، كما أشار لذلك القرآن الكريم . بأنها قوة بين ضعفين ، بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة في قوله تعالى : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } [ الروم : 54]
والنكتة اللطيفة في الآية أنها بيّنت أن الضعف الأول ، هو ضعف الطفولة ما دام هو ضعيف فإنه لا يمتلك القوة فيعتمد على الآخرين ، فليس من الاستقلال شيء ، كذلك ضعف الشيخوخة فإنها مرحلة الاعتماد على الغير فتشتركان في عدم الاستقلالية لفقدان مرتكزها وهو القوة .
أما مرحلة الشباب فهي مرحلة القوة والنشاط والحركة ، فيلازمها الاستقلال . من هنا تنشأ هذه النزعة عند هذه الفئة ، وهي النقطة التي يختلف عليها الجميع سلبا أو إيجابا ، لأن الشباب من خلال هذه النزعة يصيغ تفكيره ومنها ينمط سلوكه .

كيف ينظر الشباب إلى ما حوله من خلال هذه النزعة ؟!
يعيش في داخله حالةً من عدم التسليم الأعمى ، عبَّروا عنها بالتمرد ، أو أنه لا يقبل الجمود على ما مضى ما لم يشبع فكره ، ويملأ وجدانه ، وهذه عبَّروا عنها بالثورة على المألوف أو على القيم وهكذا .. فهل هو متمرد عاصٍ ..؟!
من هنا تنشأ مسألة المجيالة التي تعبر عن الصراع بين جيلين ، الجيل القديم والجيل الجديد ، فتحصل نظرة متعاكسة من الطرفين حيث ينظر الشباب إلى أن الجيل القديم يمثل مرحلة متقدمة تعكس فكر وسلوك زمن ذلك الجيل ، حيث يتمسك جيل الشيوخ بكل قديم ، وأن العادات والتقاليد خطٌ أحمر لا يمكن تعديه ، بل هو من الثوابت غير القابلة للتغير ، وأن المشي وراء كل جديد يمثل حالة انسلاخ عن الهوية ، لذا فإنه مرفوض رفضاً باتاً من هنا ينشأ جداراً حاجزاً بينهما يصعب اختراقه ، وقد تؤدي هذه العلاقة المضطربة إلى كوارث اجتماعية تدخل المجتمع في مأزق يصعب عليه الخروج منه .

من هنا تبرز القدرة على فن الدخول إلى قلب الشباب ، طبعاً ذلك لا يكون إلا عبر مفاتيح يستطيع بواسطتها أن يفتح مغاليق القلوب ، وألا يبقى عاجزاً عن ذلك ، ومعنى أمك تستطيع أن تنفذ إلى قلب شاب ، أي أنك فاتح كبير لقلعة محصنةٍ قد تملك الأدوات وتمتلك الفكرة ولكنك تعجز عن العبور أكثر ما تصل إليه أن تقف على أبواب الحصن دون أن تجد لكَ متسعاً فيه .

من هنا أيّها الأحبة تفشل كثير من العلاقات الاجتماعية لعدم القدرة على اقتحام هذه القلوب الطرية ، هذا ما نجده بين الأب والابن أو بين الأستاذ وتلميذه أو بين عالم الدين وأبنائه الشباب.

هنا لنا وقفة مع شخصية تركت بصمتها على أبناء جيلها وكانت فارساً وفاتحاً بحق استطاع أن يقتحم القلوب من غير استئذان ، ومن غير أن يبذل الثمن الباهظ ، أو يفقد من ذاته أو هيبته ووقاره شيئاً خصوصاً إذا لاحظنا بعين الاعتبار الظرف الزماني الذي عاصره ، ونظرة المجتمع بالخصوص ، الشباب إلى الدين قبل عالم الدين ، حينها نجد قيمة هذا السلوك الذي أصبح خصوصيةً من خصوصياته التي لا يستطيع أن ينفك عنها ، حيث لا تمتلك أمام هذا الفارس إلا أن تترجَّل رافعاً راية الاستسلام ، آخذاً طريقك إلى قلبه . يقول العلامة السيد عبد الله الغريفي : ( كنا ننجذب إليه كما هي الفراشات المجذوبة في الضياء تتغذَّى من علمه علماً ومن فكره فكرا ومن روحه روحا ...).

لابد من المرور السريع على الفترة الزمنية التي عاشها لتعطي قيمة لهذه القدرة الفائقة التي جعلت منه فارساً متميزاً في هذا الميدان .

كانت الناس تعيش ردة على الدِّين وأهله ، ساعدت على ذلك عوامل ذاتية وخارجية أوجدت مسافة شاسعة بين الناس وأهل الدين بل الدين نفسه ، لأن الناس كانت تقرأ الدين من خلال رجالاته . كانت الأفكار الوافدة تبشر بأيدلوجيات بديله عن الدين .. لأنه يمثل أفيون الشعوب ، فجاءت الاشتراكية و الشيوعية كبديل ولأنه يمثل نقطة خلاف واختلاف فجاءت القومية البديـل ، وأخذ الإعلام دوره آنذاك في تعميم الأفكار ، وانحسر الفكر الديني في المقابل ، أو اختبأ وراء الجدر وفي حصونه حتى أصبح رجاله يخجلون في انتسابهم لهذا الدين . هذه الفكرة السلبية عن الدين ورجالاته استدعى الأمر أن تتحوّل الفكرة إلى سلوك على أساسه يتعاملون مع المنتسبين للدين ويصوِّرونهم جماعات مختلفة تعيش بأفكار أهل القبور وتتحدث بلغتهم ، وأن اللغة التي يتحدثون بها لغة التفكير والتحريم فكيف ينفتح الشباب على شيخ كبير ينتسب لهذه الفكرة ؟! بل كيف هو ينفتح عليهم ؟! .

نحن مع تجربة هذا الشيخ الجليل الذي حول علاقته مع الشباب إلى مشروع بنى عليه كل نجاحاته وراهن الآخرين في تعويله على هذه الفئة ، اعتبر أن المزاوجة بين لغة البرهان والوجدان من أهم الوسائل التي تجعل من الشباب طاقة جبَّارة ومشروع تغير مستقبلي ، كانت كلماته المتدفقة من قلبه الصادق وهي تنطلق بسرعة البرق كالسلسبيل لتستقر في القلب ، ولطالما يردد هذه الكلمة كلما التقى بشباب (يا عزيزي) ، كانت ابتسامته بحراً مواجاً من المشاعر والأحاسيس ، تغرق من يقع في شراكها ، كان صمته أمراً محيراً ، ولغة محببة ، صمت ملؤه الكلام ، وهدوء ملؤه الحركة ، ثبات ملؤه التغيـر ، أمام كل ذلك تجد نفسك أسير بين يديه لا تملك إلا أن تستقر احتراماً وإجلالاً بين يديه . لقد كان لي ـ ولأندادي ـ شرف القرب إلى قلبه وتلمس العاطفة الجيّاشة بين شرايين قلبه حتى تصدر عنه . والشوق واللهفة تشدنا إليه ، تمنينا لو أن الزمن يمتد بنا فقط لنتسمر أمامه حتى نشبع ما في داخلنا من نهم لهذا الرجل الكبير .

ماذا يملك في داخله ؟! ما هي القوة العجيبة التي حصل عليها حتى صار كالمغناطيس يجذب البعيد فبل القريب ؟! أكرر كلام العلامة الغريفي : ( كنا ننجذب إليه كما هي الفراشات المجذوبة في الضياء ... ).

كان الأب المربِّي يشرك روحه قبل أن يشرك فكره .. تغمرك روحانية الربانية ، تصهرك عرفانية القدسية ، تحتضنك شفافيته الفائضة بالدفء والحنان ، وتبقى روحك مأسورة إليه إلى لقائه ، حديثه .. بسماته .. ونظراته ، حبه الكبير الكبــــير .

إنه حب الله الذي يملأ قلبه ، و براهينه الواضحات الباهرات التي تملأ عقله ، إنه الطاعة المطلة لله { ومن يطع الرحمـــن يجعل له ودَّا } هكّذا يصنع حب الله وهكذا تكون فاعليته ، ولقد ترجم كل ذلك من كتاباته المتنوعة ولمسناه في سلوكياته التي تجسد كل ما كتبه .

كان كتاب ( رسالات السماء ) عبارة عن مراسلة مفتوحة بينه وبين صديق له شاب مسيحي يقول هذا الرجل الكبير في إحدى رسائله له : ( واحسب ان السيادة و القداسة .. مما تفاوت بيننا في المنزلة فأرجو أن تبدلها بالأخوة فإنها ألمس للقلب و أدنى إلى الصواب ) ماذا تركت هذه الكلمات على قلب المرسل إليه ؟!
يقول في مورد آخر : ( أخي في الله وأمانتي منه ، وعديلي في الصّلة حيَّاك الحّق ، الذي تطلب ، وسدّدك التوفيق الذي تتمنى ) .

يقول الشاب المسيحي : ( وصلني كتباك ، ولقد وقعت حين قرأته مدهوشاً مبهوتاً بين يدي هذا الخالق العالي الكريم . الذي لم أكن أحلم به لأحد من آبائنا الرّوحانيين وأمام هذه النفس المدربة لخدمة الله ، وهذا التواضع الكريم للحق في سبيل الله .. ما أقول شيئاً . بل أقول وأعترف بأنه خلق محمدي إسلامي قرآني .. وأنك يا سيدي لتملي عليَّ دروساً عملية في الأخلاق والتهذيب ..... إنك تأمرني في كتابكم ـ أن أدع استعمال ألفاظ السيادة والقداسة وغيرها من الكلمات التي تشعر بعميق احترامي لمقامك ... ) .

من أين أدرك هذا الشاب هذا التواضع وهذا الخلق القرآني الرفيع ؟! لابد أنه استوقفته الكلمات واستنطقها ، فجسّدت روح كاتبها ، ولمس منها سيماء الأنبياء ، واستنشق منها عبق الأولياء.

دعونا نستمع سوياً لما يقوله هذا الرجل الكبير عن الشباب ، عن أحبائه ، عن سكّان قلبه : ( إنني لا أتساهل ما استطعت في أمر تفرضه على الدعوة إلى الله ، والدلالة على سبيله ، وأن من مهمات هذه الأمور لديَّ أجوبتي على مسائل الشباب الميامين الذين أعقد عليهم الأمل ، ، وأتوسّم فيهم الخير ، والذين يجعلوني موضعاً لثقتهم فيفصحون إليّ بشبهاتهم ويبثون إليَّ شجونهم في رسائلهم . لا أتسامح ما استطعت وما يكون لي أن أتسامح وأنا أعلم أنها أمانة كبيرة يحاسبني الله عليها ويسألني عن الوفاء بها ، أما محاسبة الضمير ومسألته ، فهما دون ذلك في موازين أهل الدعوة وفي موازين أهل الدين ) .

نعم هكذا كان الرجل الكبير يحمل ألآم و آمال الشباب ، ولو لم يكن قلبه خزانة أسرارهم ، ولو لم يكن النبع لذي يردونه فيرويهم ، والشجرة التي يستظلون بفيئه، ما كان موضع ثقتهم ولا كانوا يبثون شجونهم إليه ، نعم إنه لا يتسامح مع نفسه حتى لا نضيع . لا يتسامح مع نفسه حتى لا نموت ونحن أحياء .

تأخذني ذاكرتي إليه وهو جالس في زاوية ذلك المجلس في أحضان قريتي الحبيبة . حيث كنّا نتحلق حوله أجساداً بل قلوب ، وهو يحدثنا بما يجول في خواطرنا لأن الظروف في حينها تحظر علينا أن نبيح ما في خواطرنا أو نعبر عن مشاعرنا ، كنا نعتصر ألما ويموت الطموح والأمل في داخلنا ، كان لساننا الناطق كلما فتح لنا طريق ، وعبر عمّا في داخلنا وشد على أيدينا ، يدفعنا إلى الأمام ويزرع فينا شجرة الأمل كلما تهللت وجوهنا فرحاً واستشعرنا الدنيا لا تتسع لنا ، نعم .. كان لا يسامح نفسه حتى يلمس منا الحبّ لهذا الدين وأهله .

نعم .. كنا نحتل موقعاً في فكره وقلبه حتى في أكله كنا شركاء ، وجدناه يقتسم الأكل بينا وبينه وحين لا يوجد أحد فإنه يدخره للآتي .

قد يتصور البعض أن هذه الأخلاق والسلوكيات الصادرة منه أمر فرضته أساليب الدعوة وأهل الخبرة منها ، فمن مقتضياتها أن يتحلى بهذه السلوكيات التي تنفعه في نجاح عمله والأمر أكبر من ذلك أنه سجية ثابتة يتلمّّسها البعيد قبل القريب في سفره وحضره ، في مقّر درسه ومنطقة تبليغه في بيته وبين أصدقائه ، وسجية ثابتة لا تقبل التغيّر . يقول الشيخ اليوسفي الكبير (ره) : ( كلما رأيته رأيت سيماء الأئمة عليهم السلام ) . ويقول عميد الخطباء الشيخ الوائلي (ره) : ( وقد قدّر لهذا الراحل أن يحظى بخلق رضي وتواضع جمَّ . وعفوية تحبّبه للنفوس ، وتبني له مكانه في القلوب ، ويعرف ذلك من عرف الأمين زين الدين فما رأيت هذا الرجل يوماً إلا واستحضرت قوله تعالى { وعباد الرحمــن الذين يمشـون على الأرض هونـا } ) .

نعم لم يكن العمل الدعوي هو الذي يفرض ذلك وإنما هي السجية التي لا تتغير ولا تتأثر ببيئته دون أخرى (فما رأيت هذا الرجل يوماً أو كما يقول السيد حسن النوري : ( كان إسلاماً يتحرك وشريعةً تمشي وأخلاقا فاضلة تجسدت في سلوك يومي ) .
من أين حصل على كل ذلك ؟! من عبادة الله والتوسل إليه من مجاهدته الدائمة ، من اقتدائه بالنبي وآله ، من تعلقه وحبه لهم ، ومن توفيق الله سبحانه ، لمـّا أعطى الله كل شيء فأعطاه الله كل شيء ، تكاد تشعر بأن الأخلاق الرفيعة عجنت بطينة وامتزجت بدم شرايينه فهو يقطر خلقاً .

يقول العلامة الغريفي : ( يذكّرك بالله ... وأنت تقرأ في عينيه حب الله .. وفي نبضاته خوف الله ... وفي كلماته نور الله ... وفي علمه هديَ الله ، وكلما اقتربت منه أكثر تذوقت لذة الإيمان أكثـر ، وانصهرت في ذات الله أكثر ، ولست صوفيا يتحدث بلغة المريدين الوالهين ، لكن القلب حينما ينفتح عليه والحبّ حينما ينبهر به ، والروح حينما تعشق روحانيته الخاشعة في محراب الصلاة ) .

من خلال تجربة هذا الرجل الكبير حريّ بنا نحن طلبة العلم أن نمتلك هذه الخصوصية التي نحن بأمس الحاجة إليها ، لا أقل على مستوى العمل الدعوي إذا لم نقدر أن نجعلها سجية ، ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة حيث كان مركز خبرة للمسلمين وغيرهم ، وبالخصوص الشباب لهذا أوصانا الرسول الأكرم (ص) بهم لما في ذلك من أهمية (( أوصيكم بالشباب خيرا )) .

حريّ بنا أن نفتح قلوبنا قبل عقولنا حتى يستشعروا فيا النبع الذي يروي ظمأهم ، والشجرة التي يستظلون فيئها . أن نحبّب لهم الدين حتى يجدوا فيه ضالتهم وأن نستوعبهم ونحدثهم بلسانهم ، نستمع لهم ، نسمع الشبهات والإشكالات التي تدور في أذهانهم ، نعيش آمالهم ألآمهم ... هكذا كان الرجل الكبير يمتلك هذه الطاقة الجبارة التي أدخلته القلوب من غير استئذان ، فكان القلب الذي يتسع للجميع دون أن يضيق ، فكان حضور الفعل مع غياب الذات إنه الأمين زين الدين .


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33150 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟