موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
فقيه الأدباء وأديب الفقهاء ج2 عدد القراءات : 881
الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي

(( وبقدر ما أوتي موهبة في الأسلوب النثري، فقد حاز على مقياس كبير في الشعر، ولكنه وقد أصبح زعيماً دينياً في قريته لا يستسيغ هذا اللون، ولا يحب نسبته إليه، وقد كلمته غير مرة بأن هذا الرأي لا قيمة له، وأن ما عندك أرجو أن أقف عليه، فكان يجاملني ويعتذر بوجود أشغال له تتعلق بدروسه وتدريسه، وكنتُ قد أحببت بأن أثبت روايته التي وصف بها المسلول وشخّص هذا الداء الذي استفحل في بلادنا، غير أنه كان يواصلني بنفس العذر، ناسياً أن هذا اللون من السلوك رجعي لا قيمة له، وناسياً أن الخلود لا يصيبه من ناحية رأيه السلبي بل من الطرق الإيجابية التي تخدم المجتمع بأس أسلوب، نثراً كان أو نظماً، وبهذا السلوك عرّفني أنه لا يزال في حظيرة الرجعية التي ستقضي على كثير من مواهبه وتقبره)).

ولكل محيط اجتماعي، علمياً كان أو غير علمي، أعرافه السائدة التي وجدت بسبب عوامل فرضتها، قد تكون تلك العوامل ناهضة بالتسبيب، وقد تكون غير ناهضة.

ويرجع واقع استمراريتها وعدمه إلى أن الأعراف إذا كانت في مجتمعات سريعة التغيّر سرعان ما تتغير، وإذا كانت في مجتمعات بطيئة التغير تبطئ في تغيرها، وربما لا تتغير حتى مع وجود ما يتطلب تغيرها، ومن هذه العرافُ الاجتماعية في الأوسط الدينية.

والحق أنه لا بد من الجمع بين الفقه والأدب، ذلك أن الفقيه في مجال الاستنباط يتعامل مع النصوص الشرعية من القرآن الكريم والحديث الشريف، والأدب يساعد مساعدة مباشرة وفاعلة على فهم دلالات النصوص الشرعية ومؤدياتها، فالفقيه الأديب أدرى بشعاب مكة لأنه من أهلها.

ومن هنا صنّف المعاصرون الفقيه إلى:

- فقيه ذوقي، وهو الذي يصل إلى مؤدى النص ودلالته عن طريق ذوقه الأدبي.

- فقيه صناعي، وهو الذي يعتمد القواعد العلمية، بعيداً عن الأدب في فهم النص.

يقول الشيخ عبد الحسين الحلّي، وهو من الفقهاء الأدباء:

(( إن طالب العلم الأديب عارف بأخبار ( أحاديث) الأئمة (ع)، إذ إن لديه ذوقاً أبياً يميز به الإمام من غيره، ويعرف بذوقه سبك العبارات وتراكيبها، فالعالم الأديب أعرف بكثير من العالم غير الأديب )).

ولكن القضية، كما يقال، أمر مرفوض إلا أنه واقع مفروض.

ولشيخنا، ( قدّس سرّه )، قصائد قليلة جداً، منها:

1- قصيدة طويلة في ذكرى مولد رسول الله وآلr، عنوانها: (( شعلة من النور)) .

2- قصيدة أخرى في طفلته الأولى عنوانها (( طفلتي الجميلة )) .

3- وله ديوان أسماه أمالي الحياة، وهو مجموعة من الثنائيات والثلاثيات

والرباعيات، أملتها عليه تجاربه في الحياة، أو التجارب أخرى تعرّفها من سواه، وهو – في حدود علمي- لم يطبع بعدُ، ومنه قوله:

إنما الدين وحدة القلوب
وإذا رثت العقيدة يوم
 

ربط الحب بعضهن لبعض
قلب الجور حبّهنّ لبغضِ
 

وقوله:

شدّ الزمان على يدي ليقول لي
حلم يمرُّ بفكرة مخمورة
 

إني بقية ظاعنين ترحلوا
قد ينطوي عَجلا ً وقد يتمهل

وقوله:

سِر في الظلام فقد تخامر فكرة
والحرُّ إن ركب الصعاب لغاية
 

للزيت حين يؤجّج المصباحا
في نفسه وجد الظلام صباح
 

وله رواية شعرية بعنوان المسلول، ويأتي الحديث عنها وذكر نماذج مما جاء فيها.

ولنذكر هنا قصيدته في المولد النبوي الشريف، لكي نحاول التعرف على أجوائها وأبعادها، وها هي:

شعلة من النور

أرج من الزهر المندّى
وعلا على الوادي ضيا
قبسٌ من النور استطا
من بيت هاشم والجوا
حيث المفاخر ليس تُحـ
 

قد ضوّع الآفاق ندّا
ء من قراراته تبدّى
ل فشعّ في الأجيال وقدا
هر من معادنها تبدى
ـصى والفضائل لن تُعدّ
 


***


ماذا بمكّة فهي تز
من زلزل الأصنام عن
نبأ يجلّ مقامه
نبأ له قلب الجزيـ
يا ليلة الميلاد والمجـ
يا غرّة التأريخ يشـ
لك منّة لسنا نو
ألْبستِ هذا الكون ثو
وبنيت مجد العرب بعـ

هو منظراً وتميس قدّ
أنصابها قسراً وأردى
عن أن يُعرّف أو يُحدّا
ـرة كاد أن ينقدّ قدا
ـد المؤثّل منك يبدا
ـرق نورها في الكون سعداً
فّي حقها شكراً وحمداً
باً للمحاسن مستجدّا
ـد أن انطوى زمناً وأكدى


***

بطحاء مكّة فاخري
بشراك يا مهد النبو
وطويت عهداً للشقا
واستقبلي الآمال با
عقدت على مهد الوليـ
وتوسّمت في الطفل أن
ومحمد يستقبل الوفّ
بادي البشاشة قد تلـ

شهب السما شرفاً ومجدا
ـوة قد سعدت اليوم جدّا
فاستقبلي للسعد عهداً
سمة فقد أمَّتك وفداً
ـد رواقها (كلفاً ووجداً)
ستنال في مسعاه قصداً
د تكريماً ووعداً
تفّع من جلال الله برداً

عهد النبوة

عهد النبوّة طبت عهداً
وبنورك استهدت قلو
والدهر إن دام الفخا
حيث الجزيرة والضلا
ونواقص العادات قد
والظلم عمّ فلا ترى
فاستأصلت حتّى البنيـ
وتفنّنت في الجهـ
سيل من الأوهام قد

لبست بك الأيام عقدا
ب في عمايتها تردّى
ر فمن علاك قد استمدّا
ل يعمّها سهلاً ونجداً
ضربت على الخلاق سدّا
إلا ظلوماً مستبدّا
ـن بظلّها قتلاً ووأدا
ـل حتّى ألّهت نسراً وودّا
غمر العقول وسال مدّا


***


وإذا بأحمد يملأ الأسمـ
وإذا به يتعرّض الأو
فرد يقود إلى الكفا
متدرّعاً بالصبر درعاً
وأقام يهتف بالجمو
عندت عن الحق الريـ
وأبت لها الأهوا

ـاع إيضاحاً ورشدا
هام تحليلاً ونقدا
ح من الحفاظ المرّ جندا
مرهفاً للعزم حدّا
ع فلا تعي للقول ردّا
ـح وأعلنت كفراً وجحدا
إلاّ أن تضلّ الحق عمدا


***


يا منقذ الإسلام قد
جهلت قريش فما رعت
ورمتك بالأحقاد حيـ
فبعين ربّ البيت ما
وبعين رب البيت تنـ
جهلت بأن البيت يثـ
فرحلت ميمون النقيـ

أوريت للإسلام زندا
لك بينها رحماً وودّا
ـث استهدفتك أذىً وطردا
قاسيته في الله جهدا
ـأى عن جوار البيت بُعدا
ـكل حين تبعد عنه صدّا
ـبة منجزاً لله وعدا

إلى المدينة

يا قبّة السلم خلداً
هذا محمّد يقطع ال
وأتاك والشرف الرفيـ
فاستقبليه وارفعي
لبّيت دعوته فكنـ
فتقدّمي للذبّ عن
ولترعي الأمم الرهيـ

( جدّي فإن الدهر جَدّا)
آكام تعريساً ووخدا
ـع يسير في مسراه حشدا
بذراك للإسلام بندا
ـت لسيف دعوته فرندا
إسلامه شيباً ومُردا
ـبة للثرى وجهاً وخدّا


***


هذي قريش أقبلت
فتجمّعي لتقاتلي
واستنهضي للزحف غُل
تبدو وقائدها الأميـ
يقفو بها سنن الهدى

لتفلَّ من علياك حدّا
من جهلها خصماً ألدّا
ـباً من جنود الله أسدا
ـن يشدها للحرب شدّا
ويدلّها الرأي الأسدّا


***


وأتت قريش تملأ الـ
زحفت بأفئدة تكا
وكواذب الأحلام تأ
فحبت لها أبطال يثـ
تستهدف الألباب طعناً
فاسأل قريشاً ما الذي
عرفت نتيجة جهلها
من حارب الأقدار كا

آكام إبراقاً ورعدا
د تفور بالأضغان حقدا
مل أن تعيد الحرّ عبدا
ـر كالهضاب الشمّ سدّا
والطلا ضرباً وحصدا
شهدت به بدراً وأُحدا
فتنكّدت صدراً ووِرْدا
ن لحتفه يسعى مُجدّا

إطلالة على شعره:

وبعد،

فإدخال أن القارئ الكريم يدرك، وهو يقرأ هذه الملحمة الشعرية الجميلة، أن أستاذنا ( قدّس سرّه) متأثر إلى حدّ بعيد بنثره، وبخاصة في الجوانب التالية:

- انتقاء الألفاظ.

- صفاء الديباجة.

- ترابط السياق.

- شبوب العاطفة.

- التفاعل مع الفكرة.

والقصيدة، عروضياً، من مجزوء بحر الكامل، وهو من الأوزان الراقصة التي تتناسب والمناسبة حيث السرور والحبور.

اعتمد فيها، حسبما تفرض المناسبة، طريقة السرد التاريخي، وتسلسل الحوادث منذ مولد رسول الله وآلr وما تلاه.

ويبدو أن المذكور في المصدر ليس القصيدة بكاملها.

كتابة الرواية الشعرية:

أما روايته الشعرية، فقد كتبها وسط أجواء دخول روايات أحمد شوقي إلى النجف، أمثال: مجنون ليلى، عنترة، مصرع كليوبتر، قمبيز.

والشاعر أحمد شوقي (ت 1932 م) هو رائد الرواية الشعرية في نهضتنا الأدبية الحديثة. يقول الزيات في تاريخ الأدب العربي: (( وأما الفن الروائي المسرحي فظل غريباً عن الأدب العربي لا يألفه ولا يعرفه حتى علمه من الدب الغربي عن طريق المشاهدة والنقل، فهبّت طائفة من الذين درسوا الآداب الغربية أو زاروا البلاد الأجنبية، يزاولونه بالمحاكاة والاحتذاء دون أن يتجهّزوا له بجهازه ويستعينوا عليه بأدائه، فالتوى عليهم وأعضل حتى كاد يسمهم بالعجز عنه، الّلهم إلاّ ما كان من أمر شوقي، فقد حاول أن يسدّ النقص الموروث في الشعر العربي، فاستحدث الشعر التمثيلي، وخطا به في طريق الكمال خطوة موفقة بنظمه روايات: علي بك الكبير، ومصرع كليوبترا، ومجنون ليلى، و قمبيز، وعنترة، والست هدى، ثم توفاه الله قبل أن يبلغ به الغاية)).

شاعرية عذبة:

ولأن شيخنا زين الدين كان رقيق العاطفة، مرهف الشعور، عميق التفاعل مع الأفكار التي يتعامل معها، جاء شعره فيها خفيفاً في عذوبة، وأنيقاً في صفاء.

ممّا أحفظه منها قوله:

بعين الحب ما يلقاه هذا البدن العاني

وفي ذمّة من تهواه هذا المدمع القاني

وقوله:

إليّ حياة النفس فالدهر ساعة
ونشرح أسرار الهوى بدموعنا
خذي مهجتي واستعرضيها فإنها
مناي هل الدنيا تظلّل غيرنا
يقولون في الخلد النعيم وإنما
هو الحب أرواح تذوب وادمع

نناجي بها أحلامنا وهوانا
فدمع الهوى منّا أرقّ بيانا
بقية روح تستحيل دخانا
وهل كنف الحبّ البريء سوانا
بسرّ الهوى أمست تعدّ جنانا
تصوب وأكباد تفيض حنانا

وقوله:

وما قيس سوى شبح عظيم
سئمنا في الغرام حديث ليلى
وشبّب بالعراق وصف رباه

بناه الحبّ من كلف ووجدِ
فصف للعالمين جمال دعدِ
فقد بعد الزمان بعهد نجدِ

من كتاب الشعر التمثيلي في النجف:

وممّن نظم في الشعر التمثيلي النجفي من جيله ثم من جيل تلامذته:

1- الشيخ سلمان الخاقاني: يقول علي الخاقاني في شعراء الغري، عند ترجمته له: (( والمتَرجم له تذوَّق الشعر التمثيلي ونظم فيه، وتأثر بالذوق الحديث الذي جاء به أحمد شوقي التمثيلي ونظم فيه، وتأثر بالذوق الحديث الذي جاء به أحمد شوقي في رواياته، وقد عثرت له على رواية تمثيلية تاريخية، أسماها الطاق، ويريد به طاق كسرى، ذات أربعة مشاهد، وفي فصل واحد، وهي تاريخية، وفيها مغزى ً ديني لطيف، وهو مولد الرسول الأعظم وتأثيره على إطفاء نيران فارس )) .

والرواية منشورة في الكتاب المذكور.

2- الشيخ علي الصغير: له رواية بعنوان مرغيت، مطبوعة.

3- السيد مصطفى جمال الدين: له رواية بعنوان جميل بثينة تقع في تسعمائة بيت تقريباً، ذكرها الخاقاني وهو يترجم له في كتابه شعراء الغري.

4- الشيخ محمد حيدر: له رواية باسم هيفاء، ذكرها الخاقاني في شعراء الغري.

هذه إطلالة تعريفية مختصرة لشعر شيخنا العزيز، عسى أن نرى قريباً من يقوم بجمعه ودراسته أدبياً ونقدياً.

دوره في إنماءِ الحركة الأدبية في النجف:

أعني بالإنماء هنا توسّع الحركة عمودياً، بأن تستمر في انتقالها من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، وتوسعها أفقياً بأن تمتدّ من بلها الجغرافي الذي هي فيه إلى بلدان أخرى.

وذكرت في تاريخ الحركة الأدبية في النجف الأشرف أن من أهم عوامل نموّ المجالس الأدبية، تاريخياً وجغرافياً، أنها كانت تعقد في الأماكن الخاصة كالمنازل والمدارس ليلتي الخميس والجمعة وليالي شهر رمضان المبارك، ويحضرها ثلة مختارة من الشبان يديرون الحوار بينهم.

وربما كان هذا تحت إشراف شيخ مربّ يرشد وينقد، كي يضع هذه الثلة من الشبان على الطريق السوي في بناء شخصياتهم أدبياً.

والشيخ زين الدين أستاذ موهوب، يمتلك من القدرات التربوية ما أهّله لأن يكون أستاذاً من أساتذة الأجيال في النجف أدبياً وعلمياً، وما دفعه إلى أن يقوم بما أهّل له من أدوار تربوية في العلم والأدب.

وغرفته التي كان يسكنها في مدرسة الأخوند الوسطى، الواقعة حالياً في شارع الإمام الصادق (ع) قريباً من الحرم العلوي الشريف، كانت أحد المجالس الأدبية النجفية.

تردّد عليها وارتادها منتدىً أدبياً جَمعٌ من مريديه، في طليعتهم الشيخ سلمان الخاقاني الذي كان مؤازره في دور تربية الشبان الذين كانوا يترددون على الغرفة.

ومن هؤلاء الشبان: السيد مصطفى جمال الدين، والسيد حسين بحر العلوم، والسيد محمد بحر العلوم، والشيخ محمد رضا العامري، والشيخ صالح الظالمي، والشيخ ضياء الخاقاني.

وقد أشار إلى دوره هذا في التربية الأدبية الأستاذ عبد النبي الشريفي في كتابه ومضات الشباب.

كما أشار إليه الأستاذ علي الخاقاني في كتابه شعراء الغري، عند ترجمته للسيد مصطفى جمال الدين، قال: (( ولد في قرية المؤمنين عام 1346 هـ، ونشأ بها على أبيه وجده فعنيا بتربيته وحسن توجيهه، ولم أحسّا منه النبوغ المبكر والذكاء المفرط بعثا به حيث منهل الفضل والعلم، وكان ذلك عام 1357 هـ. فاتصل بالعلاّمة الشيخ محمد زين الدين الذي عُرف بصدق تدريسه وقوة توجيهه، فأخذ عليه مختلف العلوم الأولية، من نحو وصرف ومنطق ومعان ٍ وبيان، واقتبس منه المعلومات الأدبية الكافية مما ولّد عنده قوة الشاعرية وفهم الأدب وحسن البيان )).

والسيد جمال الدين نفسه أشار إلى هذا في مقدمة الديوان، وما بعدها تحت عنوان (( الشجرة التي احتضنتني برعماً )) قال:

(( وصاحبنا الذي نكتب سيرته، ونحاول أن نتعرّف تجربته، واحد من هؤلاء الوافدين إلى النجف من قرى سوق الشيوخ، كان يبحث عن مدرّس ٍ في النحو يأخذ عليه شرح ابن الناظم لألفية أبيه محمد بن مالك، لأن الدراسة في النجف، كما هي في أكثر مراكز الدراسة الدينية، دراسة فردية أغلب مراحلها، والطالب فيها له حريّة اختيار مدرّسِه، وكما يكون الطالب طالباً، يكون في الوقت نفسه مُدرّساً، فهو إذ يدرسُ ألفية ابن مالك عند زيدٍ، يدرّس عمراً قطرَ الندى لابن هشام، وأستاذه مثله أيضاً، حتى إذا تقدم في دروسه كان نظام الحلقات في انتظاره، ثم ينتقل إلى الحلقة الكبرى، عند أحد مراجع الدين التي تسمى ب(( الخارج)) ، لأن الدرس فيها ليس له كتاب مقرّر، فهو خارجُ الكتبِ المقرّرة، ولكنه يمتاز بموضوعه. وموضوع الخارج إما في الفقه، أو في أصول الفقه، واستحدث أستاذنا الخوئي درساً في التفسير هو إلى الخارج أقرب منه إلى الكتاب المقرّر)).

(( وظلّ صاحبنا يبحث عن هذا المدرّس حتى وقع اختياره على المرحوم الشيخ علي زين الدين من البصرة، وجرّته صِلتُهُ بالشيخ علي إلى صلتِهِ بأخيه الشيخ محمد أمين زين الدين، وهو اليوم أحد مراجع الدين في النجف، حفظ الله مهجته، وجعل خير الحوزة على يديه. وكان هذا الشيخ، بالإضافة إلى علمه الجمّ، شاعراً من طراز متقدم، وكاتباً بارعاً ذا أسلوب متميّز، لعله أقرب إلى أسلوب الزيّات، تدل عليه رسائله إلى الطليعة المؤمنة وكتابه الرائع الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته، ولعله أول كتاب يظهر في النجف عن الإسلام بلغةٍ مشرقة الأسلوب، حديثة المعالجة لقضايانا الفكرية. كما كان فيلسوفاً أخلاقياً تشهد له الأخلاق عند الإمام الصادق، ورسالته كلمة التقْوى في عشرة أجزاء أكبر دليل على فقاهته، وغير ذلك من مؤلفاته. وكان هذا الشيخ الجليل محور حلقة من العلماء يمتازون بثقافتهم الواسعة، وأساليبهم الرائعة, منهم المرحوم الشيخ سلمان الخاقاني، وهو من أقدم تلامذة السيد الخوئي المرموقين، وله ولع بالشعر، و اطلاع واسع على أغلب ما يصدر في الكتبة العربية، وفي مكتبته العامرة. وبإرشاده وتوجيهه قرأنا ما جَدّ من الكتب المصرية واللبنانية، وتابعنا مجلات الرسالة والرواية اللتين أصدرهما الزيات، والثقافة التي صدرت عن لجنة التأليف والترجمة والنشر برئاسة أحمد أمين، والكاتب المصري برئاسة طه حسين، والكتاب التي أصدرتها دار المعارف بتحرير عادل الغضبان، وسلسلة اقرأ وغيرها من السلاسل والكتب والقصص التي كنا لا نهتدي إليها لولا إرشاد أبي المهدي وتهيئتها لنا، أمثال كتب طه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، والمازني، وأحمد أمين، وسلامة موسى، وعبد الله العلايلي، ونجيب محفوظ، وغيرها )).

(( هذان العلمان الكبيران، زين الدين الخاقاني، هما اللذان وضعاني على الطريق الذي أنا الآن في نهايته)) .

(( كنت أدرس على الشيخ علي زين الدين شرح الألفية، وقسماً من المختصر للتفتازاني، ودرست حاشية ملا عبد الله في المنطق على الشيخ محمد رضا العامري والشرائع على الشيخ عبد الكريم شمس الدين، والمعالم واللمعة على المرحوم الشيخ محمد على الصندوق، ولكني تمحّضتُ في أكثر دروسي بعد ذلك على الشيخ محمد أمين زين الدين، فأخذت عنه الكفاية والرسائل وقسماً من المكاسب وأكثر شرح منظومة السبزواري في الفلسفة الإسلامية، وقد تنقلت في حياته الدراسية على أساتذة كثيرين، ولكني لم أجد من هو أجلى بياناً، وأكثر إيصالاً من الشيخ محمد أمين زين الدين)) .

(( وكانت لأستاذي هذا رحلات سنوية قد تمتد أشهراً في بعض الأحيان، يستوطن فيها قريته نهر خوز في قضاء أبي الخصيب، أو يذهب فيه للإرشاد والتوجيه الديني إلى أتباعه في البحرين، فأجد عناءً كبيراً في العثور على أستاذ أنسجم مع بيانه انسجامي مع الشيخ زين الدين، حتى إذا أكملتُ مرحلة السطوح، كما كانت تسمى في النجف، وانتقلت إلى مرحلة الخارج في بحث سيدنا الإمام الخوئي، ( قدّس سرّه)، استرحت من هذا العناء )).

(( أمّا حياتي الأدبية، والشعرية بوجه خاص، فإذا كنت مديناً فيها لأحد فلهذين الشيخين الجليلين: محمد أمين زين الدين وسلمان الخاقاني، فهما اللذان وضعا اللبنَة الأولى في أساس ظللتُ أبني عليه، بعد ذلك، حتى خُيّل إليّ أنه أعجب كثيراً من النّظارة )).

دوره في تطوير الحركة الأدبية في النجف:

أعني بالتطوير هنا، الإضافات الأدبية الجديدة التي أضافها الشيخ،( قدّس سرّه)، وكانت من إبداعاته بما يعد تطويراً في عالم الحركة الأدبية النجفية.

وتتمثل تلكم الإضافات في الموضوعات التالية:

1- أسلوب المقالة الأدبية.

2- الرواية الشعرية.

3- الدب الإسلامي الملتزم.

سبق أن أوضحت أن الشيخ زين الدين تأثر، إلى حد بعيد، بأسلوب الأستاذ أحمد حسن الزيّات، من خلال ما كان يكتبه الزيّات افتتاحيات لأعداد مجلته الشهيرة الرسالة، ثم استقلّ، أعني أستاذنا الشيخ، بأسلوبه الخاص الذي تميز به، والذي رأينا نموذجاً منه في مقالته ((بلال يؤذن )) .

وقد تأثر غير واحد من تلامذته وغير تلامذته فنحوا منحاه أو منحى التحديث في كتابة المقالة الأدبية.

وقد كان هذا التأثر انتقالاً ممّا أسميته مدرسة العروة الوثقى في كتابة المقالة إلى ما أسميته مدرسة الرسالة في كتابة المقال.

أو قل، لكي يكون العنوان شاملاً: كان هذا التأثر انتقالاً من عهد النقلة في كتابة النثر الفني إلى العهد الحديث.

وتؤلف مقالات شيخنا مجموعة نثرية من روائع المجموعات الأدبية النثرية، لو قدر لها أن تُضمّ بين دفتين ثم تُطبع إحياءً لذكراه وإفادة لطلاب الأدب وهُواته.

أضيف إليه أن هذه الإضافة الإبداعية الجديدة تدخل عنصراً مهماً في تاريخ الأدب النجفي، فلا بد لمن يريد دراسة الأدب في النجف من تناوله في بحثه أو دراسته.

أما الرواية الشعرية، فالذي يبدو لي أنه إذا لم يكن شيخنا هو الرائد الأول في كتابتها من بين من كتبوا فيها من النجفيين، فهو من الرواد الأوائل في كتابتها، قد لا يسبقه أحد في هذه الرواية سوى السيد محمد رضا شرف الدين الذي ينص الأستاذ الخاقاني، في كتابه شعراء الغري، أنه نظم روايته الحسين (ع) عام 1352 هـ، وطبعها ببغداد في العام نفسه، قال: (( نظم، في عام 1352 هـ، روايته الشهيرة الحسين وطبعت بنفس العام ببغداد، وهي باكورة إنتاجه الأدبي وأعقبها بنظم رواية قيس ولبنى وهي لم تطبع )).

وبخصوص الأدب الإسلامي الملتزم فهو أول من كتب فيه، وذلك بكتابيه: الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته، وإلى الطليعة المؤمنة.

كما أنه أول من عقد حلقة تدريس له، وكان ذلك في مقبرة سلامة الواقعة جوار مدرسة السيد البروجردي، قريباً من دورة الحرم الشريف.

وكنا نحضر عنده عصراً، أنا والشيخ مهدي السماوي والسيد مهدي الحكيم والشيخ محمد حيدر والسيد محمد باقر الحكيم، وآخرون لا تحضرني أسماؤهم في هذه العجالة.

وكان ( قدّس سرّه) يقوم بعملين، هما:

1- يقرأ فصلاً من كتابه الإسلام كنص أدبي ثم يقوم بالشرح والتعليق.

2- يُلزمنا بكتابة موضوع يختاره، وفي الغالب كان الموضوع يدور حول آية قرآنية.

وكنا نكتب ونقدم كتاباتنا إليه في الدرس القادم، وكان يأخذ معه ليعود بها في الدرس التالي، وقد أشّر على مواضع تتطلب التعليق عليها، ثم يوضح لكل طالب منّا ما ينبغي إيضاحه له من ناحية الأسلوب.

وكان هذا منه لأن الساحة يوم ذاك لم يكن يوجد فيها أديب إسلامي ملتزم، سوى أستاذنا الشيخ زين الدين نفسه، وأستاذنا السيد محمد باقر الصدر.

ويرجع هذا، في عوامله ودوافعه، إلى انتشار الأدب الاشتراكي الملتزم، وكانت تمثله بوضوح وقوة مجلة الآداب التي أصدرها عام 1953 م ببيروت الأستاذ سهيل إدريس، وكان يكتب فيها أقطاب الاشتراكية من الأدباء العرب، وكانت تنتشر انتشاراً واسعاً، وكانت تصل إلى النجف الأشرف، وكان لها مفعول مجلة الرسالة في الاستقطاب والتأثير.

وأستاذنا الشيخ زين الدين، وهو الرائد في الكتابة الإسلامية في مفاهيم الإسلام، ومن خلالها كعقيدة شاملة ونظام كامل للحياة، وهو المؤمن الغيور على دينه وأمّته، كان يرى لزاماً عليه أن يكوّن جيلاً من شبّان أهل العلم في النجف كتّاباً إسلاميين، يحملون الإسلام، ينشرون ويدافعون عنه، ويقفون أمام الغزو الاشتراكي، فكان له ما أراد، فقد استطاع أن يكوّن من تلاميذه من قام بالمهمة وأدّى الوظيفة على خير وجه.

وبعد انقلاب 1958 م في العراق، وطغيان المد الشيوعي، ألّفت المرجعية الدينية العليا المتمثلة آنذاك بالسيد محسن الطباطبائي الحكيم، وبإسناد من بقية المراجع ما عرف ب((جماعة العلماء ))، وكانت تقوم بأكثر من نشاط من أجل صد الغزو الشيوعي، ومن ذلك أن ألفت لجنة من كلٍّ من:

1- الشيخ محمد رضا المظفّر (ت 1384 هـ).

2- السيد موسى بحر العلوم (ت 1397 هـ).

3- الشيخ محمد جواد آل الشيخ راضي ( ت 1412 هـ).

4- الشيخ محمد أمين زين الدين (ت 1419 هـ).

وكانت مهمّة هؤلاء هي الإشراف على مجموعة من الشبان اختارتهم جماعة العلماء لممارسة الكتابة الإسلامية، ليكونوا الأقلام التي تقصف ضد الفكر الشيوعي، نقداً ورداً، وهم:

1- الشيخ مهدي السماوي (ت 1389 هـ).

2- السيد مهدي الحكيم (ت 1408 هـ).

3- الشيخ جعفر الصادق العاملي (ت 1977 م).

4- السيد جعفر بحر العلوم.

5- السيد محمد سعيد الحكيم.

6- السيد طالب الرفاعي.

7- الشيخ هادي القمي.

8- السيد مير حسن أبو طبيخ.

9- الشيخ حليم الزين.

10- عبد الهادي الفضلي.

وكنا نجتمع كلّ مرة في بيت واحد منّا، ويلقي أحدنا ما أعدّ من موضوع، ويناقش من قبل المشرفين والطلبة المشاركين.

فكان لشيخنا زين الدين دور آخر في الدعوة إلى تعلم الكتابة الإسلامية و التدرب عليها وممارستها.

جزى الله أستاذنا العظيم لقاء ما قام به من أعمال في خدمة المبدأ والأمة، ووفقنا للسير عل هيه، إنه تعالى وليّ التوفيق وهو الغاية.

الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33137 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟