موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
فقيه الطليعة عدد القراءات : 790
سماحة الشيخ علي المعلم

الطليعة المؤمنة هم شباب الجيل الذي انفتح على الحياة واصطدم بثقافة وافدة وأفكار تحررية وتيارات وُلدت في فضاء فكري غير إسلامي بدأت تفد إلى البلاد الإسلامية وتلقي بظلالها على الساحة الفكرية والاجتماعية حيث أخذت تهدد الهوية الإسلامية والقيم الروحية في المجتمعات المسلمة ساعد على انتشارها والترويج لها بعض الأنظمة الحاكمة التي كانت متأثرة بالشعارات التحررية، كان الزمن وحده كفيلا بزيفها وسقوطها.
وكذلك دخول الشباب ميادين التعليم في الجامعات وحقول المعرفة كان له الأثر في بلورة بعض الأفكار والتساؤلات عن التراث الإسلامي وحب الاستطلاع على فلسفة الإسلام في نظرياته وتشريعاته والتحرر من تراكمات الماضي والجمود الفكري ورفض كل ما يصنف في خانة التخلف والتحجر .
لم يجد شباب الجيل من يحتضنهم ويلقي بظله الوارف عليهم ويفتح نافدة قلبه وفكره على همومهم وتطلعاتهم و يكشف غمامة الشبهات وما يختلج في صدورهم ويحنو عليهم بحبه وتواضعه الكبير، ويكونون همه الأكبر كالشيخ زين الدين الذي خاطب شباب الجيل في كتابه( إلى الطليعة المؤمنة) بلغة الفطرة وروح الدين ورسالة الفكر الإيماني ( ... إن إيمان الداعي وإخلاصه في الدعوة وصدقه في النصيحة وصدقه في العاطفة لها الأثر الأعظم في توجيه عقل المدعو ونفسه لذلك. وأكثر الدعاة حاجة إلى هذا الرصيد الكامل من الإيمان هم المربون هم الذين يصوغون الضمائر وينشئون الأخلاق ويوجهون العواطف والمشاعر) بهذه العاطفة الهادئة توجه إلى الطليعة الواعية من الأمة يبث فيهم تعاليم الإسلام ورسالته ويدغدغ مشاعرهم وأحاسيسهم من الأعماق ليثبت فيهم عقيدة السماء وشريعة الله في الأرض .

وجد شباب الجيل في زين الدين ضالتهم التي يبحثون عنها ورافدًا يرفدهم بالثقافة الإسلامية من ينابيعها الأولى. وهو الفقيه الذي شكل في الأساس علاقة تكاملية بين المثقف والفقيه قائمة على تحقيق تقاسم المواقع وتعاضد الأدوار بحيث لا تكون هناك فجوة في الاتجاهات وتباين في المسيرة.
وقد انفتح عليه حتى غير المسلمين لدرجة إن شابًّا مسيحيًّا يتأثر به فيخاطبه (فأرسلت إليك يا سيدي بكتابـي هذا لأنبئك بقصتي ومقصدي واستأذنك في السؤال عن جملة من الخواطـر التي تدور وتتردد في ذهني، طالبا منك حلها والتوجيه فيها، وبعض هذه التي اسمـيها خواطر تدور حول مضامين الكتاب (من أشعة القران) وبالطبع إن جميعها يحوم حول دين الإسلام، وليسمح لي السيد عن قصوري في اللغـة فإني لست من رجال هذا السياق).
ولعل أهم العوامل التي استقطبت شباب الجيل يلتف حوله ويتابع كتاباته ويراسله حتى بات
يُعرف بـ (أستاذ الجيل) :
1- شخصية جذابة بما تحمل من روح إنسانية عالية وأخلاق ربانية تترك بصماتها وأثرها على كل من يلج في أعماقها ويقترب منها ((حيث كان إسلاما يتحرك وشريعة تمشي)).

2- فهمه للحياة المعاصرة بكل أبعادها وشؤونها ووعيه التام بمصادر الإسلام ونظرياته وفلسفاته وعلومه المتنوعة بحيث يستطيع أن يحدد الموقف الشرعي من الثقافة الوافدة وما ينسجم منها مع النظرية الإسلامية أو يختلف‘ وهدا ما حدا بالإمام الحكيم أن يُكلفه بالرد على دعاة تحرير المرأة في كتابه (العفاف بين السلب والإيجاب) وكذلك تكليفه أن يتصدى للرد على المفترين على عقيدة أهل البيت عليهم السلام لمعرفته بمقامه ودقته في النقد.

3- وعيه ومعرفته بالفلسفات المعاصرة (والعلوم الطبيعية التي تتماس والمفاهيم المتصلة بالعالم والعصر، كعلوم الحياة والفيزياء والفلك، وكعلمي النفس والاجتماع وتاريخ الأديان المقارن وذلك مما لا يهتم به الدارسون في الحوزة عادة إلا استثناءً ) فتجده في كتاب (الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته) كيف يحاكم الماركسية وينقض مبانيها- المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية- أو في كتابه (إلى الطليعة المؤمنة ) حول نظرية العقد الاجتماعي (لجان جاك روسو) ومن سبقه ( كتوماس هوبز وجون لوك )، والفرق بينه وبينهما والأساس في اهتمام الغرب بالنظرية، وعدم اهتمام الإسلام بها لانتفاء هذا الأساس لديه.

4- حركته الميدانية ونزوله ساحات العمل الإسلامي في العراق والخليج العربي حيث إنه لم يكتف بالتنظير والكتابة كما يفعل غيره بل سعى إلى الاتصال بالناس والاحتكاك بالمجتمع على اختلاف طبقاته ومشاربه حيث يبقى بعض الأحيان ثلاثة أشهر متنقلا من قرية إلى أخرى ومن ريف إلى مدينة مستوعبًا الجميع بأخلاقه وألطافه وهدا ما جعل الناس إلى هذا اليوم يحفرون صورته في ذاكرتهم ويستذكرون كلماته وتوجيهاته. يقول الأستاذ سالم النويدري الذي تجد بصمات زين الدين مرسومة في ثقافته وشخصيته في كتابه أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين: (( ولئن نسيت فلن أنسى تلك المجالس التي كانت تجمعنا بسماحته في البحرين حيث يتحلق الشباب المؤمن من حوله وكلهم آذان صاغية لذلك السلسال العذب من الألفاظ وهو يرد على أسئلة الحاضرين فتشيع في أرجاء المجلس روحانية قلما توجد في مجالس أخرى‘
وكانت هيبته ووقاره لا يمنعان الشباب ولو كان في سن الحداثة من الارتشاف من معينه العذب لما يلمسونه من إقبال منقطع النظير على احتضانهم والاقتراب من حياتهم والولوج إلى أعماق مشاكلهم وهذا ما لم يعهدوه حتى فيمن دونه رتبة ومقاماً من حملة العلم في المجتمع )),
5- وضع حلقات دراسية في الحوزة العلمية لتدريس المفاهيم الإسلامية وفلسفة التشريع لرفع مستوى طلبة الحوزة إلى مسايرة الواقع وما تحتاجه المرحلة تخرج منها أعلام لهم بصمات في الفكر والثقافة وفي هذا الصدد يتحدث العلامة الفضلي (أنه أول من عقد حلقة تدريس له، وكان ذلك في مقبرة سلامة الواقعة جوار مدرسة السيد البروجردي، قريباً من دورة الحرم الشريف، وكنا نحضر عنده عصراً، أنا والشيخ مهدي السماوي والسيد مهدي الحكيم والشيخ محمد حيدر والسيد محمد باقر الحكيم، وآخرون ..... وكان هذا منه لأن الساحة يومذاك لم يكن يوجد فيها أديب إسلامي ملتزم، سوى أستاذنا الشيخ زين الدين نفسه، وأستاذنا السيد محمد باقر الصدر...... كان يرى لزامًا عليه أن يكوّن جيلاً من شبّان أهل العلم في النجف كتّابًا إسلاميين، يحملون الإسلام، ينشرون ويدافعون عنه، ويقفون أمام الغزو الاشتراكي، فكان له ما أراد، فقد استطاع أن يكوّن من تلاميذه من قام بالمهمة وأدّى الوظيفة على خير وجه.)
 


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33140 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟