موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
المرجع الديني الشيخ محمد أمين زين الدين ج1 عدد القراءات : 992
سماحة الشيخ حسن الصفار

أثناء زيارتي لدمشق في صيف 1998 م تلقيت دعوتين كريمتين للمشاركة في إحياء ذكرى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد أمين زين الدين ( رحمه الله )، بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته. الأولى من قبل آية الله الشيخ محمد الخاقاني، والثانية من قبل المنتدى الثقافي العراقي في لبنان.

ورأيت نفسي مندفعاً للاستجابة للدعوتين الكريمتين، لأداء بعض الحق والواجب تجاه هذه الشخصية العظيمة، ولحاجة الساحة الإسلامية إلى دراسة حياة هذا الرجل المصلح، وما تنطوي عليه من تجربة إصلاحية رائدة.

وكنت أرقب الشيخ زين الدين من بُعد، وعبر ما أسمعه من تلامذته والقريبين منه، ومن خلال اهتمامي وتتبعي لتطور الثقافة والحركة الإسلامية في المنطقة ، حيث وجدت للشيخ فيها دوراً تأسيسياً وتجديدياً هاماً.

واختزنت في ذاكرتي صورة شفّافة مرهفة لسماحته حينما تشرفت بلقائه في مدينة سيهات – القطيف، خلال إحدى زياراته لها. وكنت في الثانية عشرة من عمري، وقد بدأت ممارسة الخطابة ، وأحاطني مجتمعي بتشجيع كبير، نظراً لحداثة سنيّ، فدعيت للخطابة في حسينية الناصر في سيهات ، وهناك فوجئت بوجود شيخ وقور يتزاحم الناس على مصافحته ولثم أنامله وتقبيل غرته الكريمة، وقيل لي إنه الشيخ محمد أمين زين الدين.

حينها لم أكن أعرف شيئاً عن سماحته، ولا أدري كيف تجرّأت على الإلقاء بحضرته، وماذا قرأت. لكنني أتذكر أنه غمرني بالكثير الكثير من تشجيعه ولطفه، وأبدى إعجابه بجرأتي وحافظتي على صغر سنّي آنذاك، ودعا لي بالخير والمستقبل الزاهر.

هذا اللطف والاهتمام جذبني إليه، فتكرر حضوري لصلاة جمعته وجماعته فترة وجوده في سيهات، كان ذلك في سنة 1389 هـ تقريباً.

كما زرته في النجف الأشرف أثناء هجرتي للدراسة الدينية من سنة 1391 هـ، وكانت أخلاقه وتواضعه وتشجيعه عنصر انشدادي إليه. ولما قرأته فيما بعد وتفاعلت مع أفكاره الرائعة و أطروحاته التجديدية، وتعرفت على شيء من مسيرة حركته وجهاده، حالت الظروف بيني وبين الالتقاء به، فكنت أعيش الأمل بتجديد العهد بلقائه بعد أن اتضحت لي معالم شخصيته الرسالية. لكن خبر وفاته المفجع بدّد ذلك الأمل وأصابني بالحسرة والألم.

وجاءت الدعوة للمشاركة في إحياء ذكراه العطرة لتشكل فرصة لاستجماع الأفكار حول شخصيته الكريمة، واستلهام الدروس والعبر من حياته وسيرته، فكانت هذه السطور المتواضعة والتي قدمتها كبحث ألقي في الحفل التأبيني الذي أقامه المنتدى الثقافي العراقي في بيروت بتاريخ 12 / 4 / 1419 هـ، الموافق 5 / 8 / 1998 م، كما تحدثت عن أهمّ مضامينها في المحاضرة التي ألقيتها في المجلس التأبيني الذي أقامه سماحة الشيخ محمد الخاقاني في منطقة السيدة زينب بدمشق الشام، بتاريخ 14 / 4 / 1419 هـ، الموافق 7 / 8 / 1998 م.

مدخل

كلّما اشتدّت التحدّيات الخارجية على الأمة، ازدادت ضرورة الإصلاح والتّطوير الداخلي.

ذلك لأنّ الجمود والرُّكود يقعد بالأمة عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها، وإذا كان العالم من حول الأمة في حركة وتقدم، فإنّ تسمّر الأمة في مكانها يعني التخلّف والتراجع.

فلابد للأمة من انبعاث متجدّد، وتطوّر دائم لتواكب مسيرة التقدّم الحضاري، ولتنفض عن نفسها غبار الزمن وتراكم النّواقص والثّغرات.

بيد أنّ عملية الإصلاح والتطوّر الداخلي أشقّ وأصعب من المواجهة المباشرة للتحديات الخارجية، لذلك اعتبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قتال الأعداء جهاداً أصغر، وجهاد الذات جهاداً أكبر، فيما يُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية ـ فرقة صغيرة من الجيش ـ فلمّا رجعوا قال:« مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر ».

قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟.

قال:« جهاد النفس » (1).

لأن المصلح ورائد التّغيير والتّطوير يواجه معركة حامية الوطيس داخل المجتمع، ولهذه المعركة بعدان:

الأول: تجاه الأفكار الإصلاحية التّغييرية التي يتبنّاها المصلح، حيث يتشبّث المجتمع بالأفكار التي ألفها والسُّلوكيات التي اعتاد عليها. وبالتّالي فإنّه غالباً ما يُواجه أيّ فكرة جديدة تخالف الموروث، أو برنامجاً حديثاً يغاير المعتاد ، بالتحفّظ والرّفض.

فيحتاج المصلح إلى الكثير من الجهد والصبر ليتمكّن من بثِّ أفكاره الإصلاحية، وليقنع الناس بها، ويعالج تحفّظاتهم نحوها، ويكسر حدّة رفضهم لها.

أمّا البعد الآخر والأعنف للمعركة فيدور حول ذات المصلح وشخصيته.

لأنّ الجهات النّافذة في المجتمع، والقيادات المسيطرة، ومراكز القوى المتحكّمة، يخيفها ويثير توجّسها ظهور شخصية قيادية جديدة، تسحب من تحت أرجلها البساط وتكتسح ولاء الجمهور، وتشكّل منافسة خطيرة لمواقع نفوذها.

من هنا تبدأ حالة تحسّس حادة تجاه شخص المصلح، وتُثار حوله التساؤلات و الإشكالات، وعلامات الاستفهام، وتُوجّه له الاتهامات، وتزرع في طريقه العقبات والعراقيل والألغام. ومن ثم يستدرج المصلح إلى معركة الدّفاع عن الذات.

وهذا هو المأزق العنيف الذي واجه ويُواجه المصلحين عبر التاريخ، فلا يتحقّق الإصلاح والتّطوير إلاّ بوجود قادة وروّاد يحملون مشروعه ولواءه، لكن ذواتهم وشخصياتهم تثير تحسس الآخرين وخوفهم على مواقعهم وزعاماتهم. فهل يمكن الفصل بين ذات المصلح ومشروعه؟.

إنّ المصلح مُطالب بالإخلاص لرسالته، وأن لا يستهدف الظُّهور وحبّ الزّعامة والرّئاسة، ولكن هل يتجاوز المأزق بتحقيق هذا المطلب في ذاته؟.

إنّ عملية التّبشير بالإصلاح، والعمل من أجله ،يستلزمان شيئاً من حضور الذّات، فالمصلح لابدّ أن يتكلم ويخطب ويكتب ويـبادر ويُؤسّس ويتحرّك ويعمل، وهذه الأنشطة بدورها تفرض حضور الذّات، وكونها في موقع الظُّهور والبروز.

والزّعامات التّقليدية والجهات النّافذة، لحرصها على مواقعها، لا تقنعها التّطمينات التي يُبدي بها المصلح زهده في ما تخاف منه عليه، بل تبقي فزعةً قلقة من حركة الإصلاح ومن ظهور المصلحين.

وإذا ما قرأنا واستقرأنا تجارب المصلحين، وطريق تعاطيهم مع هذه المشكلة، ونتائج خوضهم لهذه المعركة في بعدها الشّخصي الذّاتي، فسنُواجه حالات متعدّدة ومختلفة.

فبعض المصلحين يُصاب بالانهيار، وينهزم في معركة الإصلاح والتّطوير حينما تستهدف ذاته السِّهام، وتمعن في تمزيق شخصيته الرِّماح.

وبعضهم يجبن في الدّفاع عن ذاته، ويُبالغ في التّواضع والزُّهد في التصدِّي لتحمُّل المسؤولية، على حساب مصلحة الرِّسالة، ذلك لأنّ هناك خيطاً فاصلاً دقيقاً بين الزُّهد في المواقع وبين التصدِّي لتحمُّل المسؤولية ، وهو ما يشير إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في قوله:

« أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود النَّاصر، وما أَخَذَ الله على العلماء أَلاَّ يُقارُّو على كِظَّه ظالم، ولا سَغَب مظلوم، لألقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيتُ آخرها بكأس أوَّلها، ولألفيتُم دُنياكُم هذه أزهدَ عندي من عفطة عنز » (2).

وبعضهم على العكس من ذلك تماماً، حيث يتضخّم لديه مشروع الذّات، بمبرّر الدّفاع عن النّفس، والاستجابة للتحدّي، ولحاجة الإصلاح إلى قيادة ورمز وواجهة. فيصبح برنامج الطّرح الشّخصي أوسع رقعة من طرح الأفكار، ويأخذ الدَّور المحوري في الحركة والعلاقات والتَّحالفات. فالولاء لذات القائد، والتّمجيد لشخصية الرَّمز هي مقياس الإخلاص وعليها تتحدّد درجة القُرب والبُعد.

وحينئذٍ قد تلتفّ حول المصلح مجاميع لا شأن لها بأهدافه وأفكاره الإصلاحية، لكنّها تزايد على الآخرين في الولاء له والتملُّق لشخصه ..

وتتعدّد برامج التّكريس، وألوان الطّرح للحالة الرَّمزية والشَّخصية.. من اختيار للألقاب، وتثبيت للعناوين والصِّفات، ومن التفنُّن في نشر الصُّور واحتلال المواقع البارزة لها، ومن اقتناص فرص الطَّرح الإعلامي، ومن استقطاب الأسماء اللامعة، ومن تجيير للمشاريع والمؤسّسات باسم القائد الرَّمز.. إلى ما هنالك من أساليب ووسائل تحوّل الشَّخص إلى مشروع، والرَّمز إلى حركة، والذَّات إلى هدف، وما قد يؤدِّي إليه ذلك من صنمية وتقديس مطلق يتجاوز حدود الشّرع والعقل في كثير من الحالات.

ويقدم الخلّص من المصلحين الصَّالحين نموذجاً آخر في التّعامل مع هذه المعركة الشّرسة في بُعدها الشّخصي والذّاتي، والتي لابدّ لرُوّاد التّغيير والتّطوير من خوضها.

فهم لا يفرّون من الزّحف، ولا ينسحبون من المعركة، ولا يستولي عليهم الانهيار.

كما لا يقعون في فخ تضخيم الذّات، وتورّم الحالة الرّمزية.

ولكنّهم في نفس الوقت يعرفون قيمة أنفسهم، ويُدركون قدر ذواتهم، في إطار تحمّل المسؤولية، والتصدِّي للواجب الشّرعي، والوظيفة الرِّسالية.

إنّهم يعتمدون منهجاً دقيقاً منذ الوهلة الأولى لتحرُّكهم الإصلاحي، وحركتهم التّغييرية، يتّسم بالحذر من الظُّهور والبُروز، والتّخفيف من حضور الذّات إلاّ بمقدار الضّرورة. ومن ثمّ يوجِّهون كلّ جهدهم واهتمامهم إلى ما يخدم أهدافهم المبدئية، وتطلّعاتهم السّامية.

وبذلك يقلِّلون من توجيه الأنظار إلى ذواتهم فيقلّ بذلك استهدافهم، كما يوفّرون كلّ إمكانياتهم فلا يتبدّد شيء منها في معارك شخصية وجانبية، بل هي موجّهة صوب الهدف ونحو الغاية.

وهو منهج صعب مستصعب يحتاج إلى مستوى متقدّم من الخلوص والإخلاص، وإلى إرادة قوية للتّحكم في النّفس واتخاذ الحكمة في المواقف، ويحتاج بعد ذلك كله إلى توفيق وتسديد إلهي حتى تكون الظُّروف والأُمور مساعدة على إنجاح هذا المنهج والبلوغ بصاحبه إلى المطلوب.

في رحاب التَّجربة

إنَّ حياة المفكر الإسلامي الكبير الفقيه المربِّي المرجع الديني الشيخ محمد أمين زين الدين تعتبر تجربة رائدة رائعة في مجال العمل الإصلاحي، دون إثارات ودون الدُّخول في معارك أو صراعات شخصية وجانبية.

فهو من أوائل الفقهاء المعاصرين الذين أدركوا عُمق التحدِّيات التي تواجهها الأمة، ويظهر ذلك جلياً في كتاباته وخطاباته وسيرته.

كما أدرك أنّ هذه التّحدِّيات لا يمكن أن تُواجه إلاّ بتغيير وتطوير في ذهنية الأمة وأفكارها وسُلوكها.

وقد قرّر تحمُّل مسؤوليته الدِّينية والاجتماعية، وخوض هذه المعركة المقدّسة.

لكنه وهو يعيش في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ويعرف طبيعة أوضاعها وأجوائها والمعادلات السّائدة فيها، لابدّ له أن يحسب ألف حساب لكلّ خطوة يخطوها، وأن يتسلَّح بأعلى درجة من الاحتياط في كلِّ عملٍ يقدم عليه.

فأجواء النجف الأشرف كانت تسودُها حالة من التحفُّظ الشَّديد، والتحسُّس المبالغ فيه تجاه أيَّ جديد أو تغيير أو تطوير، خوفاً على المبادئ والقِيم، والأعراف والتَّقاليد، من مؤامرات الأعداء، ودسائس الدُّخلاء، وانحرافات المغرضين، وإفساد الجهلاء.

هذا الخوف والقلق الصحيح في منطلقاته ومبرّراته، والخاطئ في أساليـبه ووسائله، أصاب الحوزة العلمية بالرُّكود والجمود، وسبَّب لها التخلُّف عن مواكبة تطوّرات العصر والحياة، ودفع بها إلى حالة من الانكفاء والانطواء، بينما ساحة الأمة تعيث فيها الأفكار الوافدة والمبادئ المستوردة فساداً، تحت شعارات التقدُّم والخلاص، وعناوين التحرُّر والوحدة.

وفي النجف الأشرف يتواجد الآلاف من رجال الدين، والمئات من الفقهاء والمجتهدين، والعديد من المراجع المقلدين، مما يعني وجود كيانات ومراكز قوى بيدها أزمة الأمور، وتتمتّع بالسيطرة والنُّفوذ، وتحتدم بينها معارك التَّنافس والصِّراع بين الحواشي والمكاتب والأطراف والأتباع، ثمّ بين الانتماءات والتَّوجهات المختلفة.

ممّا جعل انطلاق مهمّة التَّطوير والإصلاح داخل الحوزة العلمية صعبة معقّدة، أوّل وأشدّ أخطارها التورُّط في صراع ونزاع داخلي مع بعض المراجع والأقطاب والحواشي والأتباع، والانزلاق إلى معادلة الاختلاف بين الانتماءات والتّوجُّهات.

في هذه الأجواء والأوضاع بدأ الشيخ زين الدين مهمّته الإصلاحية وبذر بذور الصَّحوة الإسلامية في العراق والمنطقة المحيطة به.

معالم المنهج

مع خُطورة الدَّور التَّأسيسي الذي قام به الشيخ محمد أمين زين الدين، في العمل الإسلامي المعاصر، ومع أهمية الجهود التي بذلها، والنّتائج التي تحقّقت على إثرها؛ إلاّ أنَّك لا تكاد تجد للشيخ اسماً في خضمّ الأحداث، ولا موقعاً بارز في معارك الصِّراع الدَّاخلية والخارجية التي واكبت الصَّحوة الإسلامية في المنطقة.

لقد حالف التّوفيق الشيخ زين الدين حينما اختار منهجاً عميقاً هادئاً نطلق عليه« منهج الإصلاح دون حضور الذات » فما هي معالم هذا المنهج؟ وكيف مارسه الشيخ في سيرته وحياته؟

إنّ على أبناء الصَّحوة الإسلامية أن يدرُسوا حياة المؤسِّسين والرُّوّاد الأوائل، ليأخُذوا منها الدُّروس والعِبر، وليتلافوا الثَّغرات والنَّواقص، وليستكمِلُوا البناء على أسُسه السَّليمة وقواعده الصَّلبة.

والشيخ زين الدين في طليعة القادة الدِّينيين الذين شقُّوا للأمة طريق الإصلاح والتَّغيير في هذا العصر، وقاموا بمهمّة التّجديد والتّطوير في الفكر والثّقافة الإسلاميين.

وإذا كانت حياة الشيخ زين الدين تحت سلطة الحكم العراقي تمنع الباحثين الرِّساليين من تسليط الأضواء على شخصيته ودوره، حرصاً على وجوده، وحفاظاً عليه من الظُّلم والعدوان، فإنّ رحيله إلى عالم الملكوت، وإلتحاقه بالرّفيق الأعلى، يفتح المجال واسعاً للعودة إلى تجربته التّأسيسية الرّائدة، لقراءتها وبحثها ودراستها، للإفادة منها، ولإيفاء بعض حقِّه من التَّقدير والتَّكريم.

وفي هذا السِّياق نرصد في بحثنا هذا أبرز المعالم في منهجه الإصلاحي:

{ 1 }

الابتعاد عن التَّنافس على المواقع

فمع قدراته العلمية المشهودة، وطاقاته الفكرية المتميّزة، إلاّ أنّه لم يُرشِّح نفسه،ولم يقبل التَّرشيح لأيّ موقعٍ بارز. وحتى التّصدِّي للمرجعية والإفتاء، ومع اقتناع بعض المؤمنين في بلدان عديدة بتقليده، إلاّ أنّه كان حريصاً على أن لا يحوط نفسه بمظاهر الطّرح المرجعي المألوف، فالرِّسالة العملية التي تتضمّن فتاواه وآراؤه الفقهية لم يخرجها للطّبع إلاّ متأخراً وفي العقد الأخير من حياته، ولم تطبع في النجف الأشرف، مركز المراجع والحوزة وساحة الطّرح المرجعي، وإنما طبعت في البحرين سنة(1409 هـ)، وتقع في عشرة أجزاء بعنوان[كلمة التّقوى] لسد حاجة عملية لدى مقلِّديه هناك، وليس ضمن خطّة للتّبشير أو العمل لمرجعيته.

لكنّ تميّز هذه الرسالة العملية بالأُسلوب الرَّصين، واللغة الواضحة، والطرح التَّأسيسي، حيث لم تكن تعليقةً على متن سابق، ولإحاطتها وإستيعابها لمختلف أبواب الفقه وتفريعات مسائله، بمنهجية متقنة، كلُّ ذلك أوجد إقبالاً عليها من قبل الفُضلاء والعُلماء ممّا دفع لإعادة طبعها في قم المقدّسة وبيعها عبر المكتبات.

وهو لم يترأس جماعة، ولم يتزعّم مؤسّسة، ولم يرض بإحتياز ألقاب محدّدة، ولم تُنشَر له صور، ولم تُكتب عنه مقالات، ولم يُطرح اسمه للتَّبشير بمرجعيته، كما هو متعارف في طرح المرشّحين للمرجعية، وخاصة بعد فقد أيّ مرجع من المراجع.

ونقل أحد الفُضلاء أنَّ الشيخ زين الدين دخل مرّة« مسجد الطوسي » في النجف الأشرف، لحضور مجلس فاتحة فهتف أحد الحاضرين بالصّلاة على محمد وآله، كما هو متعارف عند دخول أيِّ مرجع معروف، فعاتبه بعد ذلك الشيخ زين الدين ووبّخه وحذّره من أن يكرِّر ذلك معه مرّة أخرى.

( لقد انطلق في خط المرجعية، وكانت رسالته من أغنى الرسالات وأكبها، بكل هدوء وبكل صمت، وبكل وعي وبكل تقوى، حتى كان ينكر ذاته في موقعه، وموقعه كبير كبير… كان المتواضع كأعظم ما يكون التواضع، في الوقت الذي يملك فيه الكثير مما يستعرض الناس فيه عضلاتهم، لا سيّما أنه كان مميزاً في طاقاته التي يتحرك فيها … كان بإمكانه أن يستعرض دوره، لكنه كان الإنسان الذي ينكر ذاته، ويعطي بدون حساب وبدون منّ…)(3).

{ 2 }

تجاوز الخلافات والصِّراعات

وجُود الخلاف والاختلاف طبيعي في كل مجتمع، وخاصّة في الوسط العلمي، حيث تتعدّد المدارس، وتتباين الآراء، لكنّ التّعاطي مع هذه الحالة يختلف من شخص لآخر، فهناك من يستهويه الخلاف، ويشمّر له عن ساعديه، ويستعرض فيه عضلاته، على قاعدة: جاء دريد شاهراً رمحه.

وهناك من يقف عند حدود الدّفاع، فيستدرج إلى معارك الصِّراع، حيث يأبى لنفسه أن يكون ضعيف الجانب مهيض الجناح، بل يعمل على أساس{ ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }(4)

وهناك من يسمو بنفسه على حالات الخلاف، وينفس بطاقاته وجهوده أن يتبدّد شيء منها في صراعات جانبية ثانوية، فهو لا يـبدأ أحداً بخلاف، ولا يستجيب لمن أراد استدراجه. فمن قال له: إيّاك أعني.. أجابه: وعنك أغضي. كما ورد ذلك عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام إن لئيما اعتدى عليه فسبّه، فأشاح عليه السلام بوجهه عنه ، فانتفخت أوداج اللئيم وراح يقول له: ( إياك اعني ) وأسرع الإمام قائلاً: ( وعنك أغضي)( 5)

وهذا هو منهج الشيخ محمد أمين زين الدين.

فلم يسجَّل عليه الدُّخول في أيِّ خلافٍ أو صراع، ولا المشاركة في أيِّ نزاع أو سجال.

ورغم أنّه يصنَّف ضمن مدرسة المحدِّثين الأخباريين، ويُنظر إليه كمرجع وفقيه بارز لهذه المدرسة، إلاّ أنّه كان يعيش في وسط وعمق المدرسة الأُصولية النَّجفيه، حيث حضر بحث الشيخ ضياء الدين العراقي(توفي: 1361هـ) في الأصول لمدة سبع سنوات، وكتب تقريرات درسه في دورة كاملة لعلم الأصول. ولم يظهر منه أيَّ اعتراضٍ أو تبنٍّ لرأي مخالف، في الوسط العلمي الأُصولي الذي يحيط به، فهل هو أخباري محدّث أم فقيه أُصولي؟.

إنَّ الأخباريين يعتبرونه زعيمهم، والأُصوليـين يَرونه أحد أعلامهم.

وحينما طبع رسالته العملية[كلمة التّقوى] تجاوز« باب التقليد » والذي يـبدأ به الفقهاء رسائلهم العملية جرياً على ما فعله السيد محمد كاظم اليزدي في[العروة الوثقى] لكي يتلافى طرح المسائل المختلف عليها في هذا الباب.

كما عاصر الشيخ زين الدين الصِّراع المحتدم بين الخطِّ التّقليدي المحافظ في حوزة النجف والسَّاحة الدِّينية، وبين الخطِّ التَّجديدي النَّاهض، لكنَّه لم يُحدِّد له موقعاً في الصِّراع ضمن أي من الخطين.

ومع أنَّ رُوَّاد خطِّ الإصلاح والتَّغيير قد تربُّوا في أكناف بُحوثه ودرُوسه ومجالسه، ونهلوا من أفكاره وآرائه وتوجيهاته، إلاّ أنّه كان وثيق الصِّلة بكبار المراجع، يحظى بثقتهم واحترامهم، ويعتمدون رأيه في بعض شؤونهم وقضاياهم.

ومن ذلك مثلاً أن السيد محسن الحكيم، وكان المرجع الأعلى في عصره، يُشجِّع ولده السيد مهدي الحكيم على الاستفادة من الشيخ زين الدين وحضور دروسه(6).

وحينما بدأت ظاهرة السُّفور في الانتشار في أوساط نساء العراق، بتشجيع التَّوجهات الشّيوعية، طلب السيد الحكيم من الشيخ زين الدين مواجهة هذه الظّاهرة المخالفة للإسلام ثقافياً وفكرياً، بإعداد بحث مناسب يبين فلسفة الحجاب في الإسلام ومفاسد التبرُّج والسُّفور، واستجابة لهذا الطلب ألَّف الشيخ زين الدين كتاب[العفاف بين السَّلب والإيجاب]، وحينما منعت الرقابة طبع الكتاب تدخّل السيد الحكيم مباشرة بالاحتجاج على السُّلطات حتى فسح طبع الكتاب(7).

{وعندما أصدر الكاتب المصري أحمد أمين كتابه ( المهدي والمهدوية ) الذي عالج فيه الفكرة بطريقة سلبية ، كلّف المرجع الكبير السيد محسن الحكيم الشيخ زين الدين للرد على أحمد أمين ، لمعرفته بمقام الشيخ وجدارته وعمق فكره وغور نظره، فكان كتابه ( مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي و المهدوية)}( 8 ).

والسيد الخوئي، الذي تسنَّم المرجعية العُليا بعد السيد الحكيم، حينما أراد طبع كتابه[البيان في تفسير القرآن] كان للشيخ زين الدين دور أساس في إعادة صياغة الكتاب والارتقاء بلغته الأدبية، ليكون مناسباً لمقام السيد الخوئي ومكانته(9) .

هكذا كان الشيخ زين الدين يجمع بين دوري إعداد الجيل النَّاهض والتَّواصل مع القيادات المحافظة والمراجع الكبار.

{ 3 }

تربية جيل الإصلاح والتَّغيير

هذه الأمة الكبيرة المترامية الأطراف لا يمكن لشخص واحد أن يدفعها نحو التّحرُّك والنُّهوض.

وذلك الجمود المتراكم على الأذهان والنُّفوس لا يستطيع قائد لوحده أن ينُوء بأعباء نفضه وإزالته.

كما أنَّ من يُباشر القيام بهذا الدَّور يتورَّط في الجانب الذّاتي والبُعد الشَّخصي من المعركة، وهو ما كان يحرص الشيخ زين الدين على تلافيه وتجنُّبه.

فلابدّ إذا من إعداد وتربية جيل للقيام بهذه المهمّة العظيمة الشّاقة.

هذا ما أدركه الشيخ زين الدين واتّجه له، فاحتضن نخبة من أبناء الحوزة العلمية، ومن أعرق بيوتاتها، ومن مناطق وبلدان مختلفة، وفتح لهم صدره وقلبه، وربّاهم على أساس التطلُّع والطُّموح، وتحمُّل المسؤولية تجاه واقع الأمة.

ومن خلال ما تحدّث به بعض تلامذته، ومن ملاحظة مستويات وتوجُّهات أُولئك التّلامذة الذين تربَّوا على يديه، يمكننا أن نلمح في مدرسته التربوية ما يلي:

( أ ) ـ تنمية القدرات العلمية: فعُمقه العلمي وبيانُه الواضح كانا خير دافع ومعين لتلامذته على فهم واستيعاب المناهج الدِّراسية العلمية، ومن هنا كان تلامذته من النُّخبة العلمية التي عُرفت بالعُمق والنُّضج العلمي، ومنهم أخوه الشيخ علي زين الدين، (توفي: 1406هـ)، والذي« كان من أساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ومن أبرز من اشتُهروا بتدريس كتاب[كفاية الأصول] حيث تخرَّج به العدد الكبير من طلاّب الحوزة النجفية »(10).

ومنهم أيضاً الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي العالم والباحث المعروف؛ والدكتور السيد محمد بحر العلوم؛ والسيد حسين بحر العلوم؛ والدكتور السيد مصطفى جمال الدين؛ والشيخ محمد مهدي الآصفي؛ والشيخ أحمد البهادلي؛ وأمثالهم وهي شخصيات مشهودٌ لها بالعلم والفضل.

يقول الدكتور السيد مصطفى جمال الدين: تمحَّضتُ في أكثر دروسي بعد ذلك على الشيخ محمد أمين زين الدين، فأخذت عنه[الكفاية]، و[الرسائل]، وقسماً من[المكاسب]، وأكثر[شرح منظومة السّبزواري] في الفلسفة الإسلامية، وقد تنقّلت في حياتي الدِّراسية عل أساتذة كثيرين، ولكني لم أجد من هو أجلى بياناً، وأكثر إيصالاً من الشيخ محمد أمين زين الدين. وكانت لأستاذي هذا رحلات سنوية قد تمتدُّ أشهراً في بعض الأحيان، يستوطن فيها قريته(نهر خوز) في قضاء(أبي الخصيب) أو يذهب فيها للإرشاد والتَّوجيه الدِّيني إلى أتباعه في البحرين، فأجد عناءً كبيراً على العُثور على أستاذ أنسجم مع بيانه إنسجامي مع الشيخ زين الدين (11).

( ب ) ـ التَّشجيع على الانفتاح الفكري والثَّقافي: على العكس ممّا كان سائداً في أجواء الحوزة من تحذير الأساتذة لطلاّبهم من الانشغال بغير كتب الدِّراسة، ومن الاقتراب من وسائل الإعلام الحديثة، كالراديو والتلفزيون والصُّحف، ومن اقتناء كتب الضّلال، وتعني ـ عند الأغلب ـ كلّ الإصدارات الفكرية والثّقافية الجديدة.

وبذلك ينشأ طلاب العلوم الدينية في جوٍّ منغلق، وفي حالة من العُزلة والانكفاء عن كلِّ ما يحدث في العالم من تطوّرات.

على العكس من ذلك، كان الشيخ زين الدين يُشجِّع تلامذته على الانفتاح الفكري والثّقافي والسِّياسي، ليُواكبوا تطوُّر العالم والحياة، وما كان يخشى عليهم من ذلك الانفتاح وقد تسلَّحُوا بالأصالة، وامتلكوا قُوّة الفِكر والثِّقة بالنَّفس والمبدأ.

وقد تحدّث السيد مصطفى جمال الدين عن الحلقة الأدبية التي أنشأها الشيخ زين الدين، و انضم إليها السيد مصطفى، وكانوا يُتابعون فيها« الإطّلاع على كلِّ جديد يصدر في المكتبة العربية وصحفها ومجلاتها.. على أيِّ حال كنّا نمتاز عن الأجيال الأدبية التي عاصرناها في النجف، أننا كنّا كثيري القراءة والمتابعة لكلِّ ما هو جديد، فإذا كان زاد النّاشئة التي نتعايش معها دواوين السيد محمد سعيد الحبوبي؛ والسيد حيدر الحلي والشّبيـبي واليعقوبي من الجديد، ودواوين المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي من القديم، فقد أضفنا إلى ذلك كلَّ ما تيسَّر لنا من دواوين الشُّعراء العرب المحدثين، بما فيها موجة الشِّعر الحديث، بل إنّ بعضنا أخذ يكتب تجاربه بطريقة ـ التَّفعيلة ـ التي لا يعتبرها أكثر نُقّاد النجف شعراً. وإذا كان النقد المسيطر على هذه الأجيال التي عاصرناها هو نقد الجاحظ وقدامة بن جعفر وضياء الدين بن الأثير فقد أضفنا إلى ذلك نقد أحمد الشّايب وسيد قطب ومارون عبود وميخائيل نعيمة ورئيف خوري وكثيراً من الدِّراسات الأدبية المترجمة في موسيقى الشِّعر، وأصوات اللغة، عن الفرنسي« غويار »، والأمريكي« سابير »، والرُّوسي« كوندراتوف »، والإنجليزي« إليوت ».. » (12).

هذا المنحى في مدرسة الشيخ زين الدين هو الذي جعل تلامذته نخبة متنوّرة منفتحة، قادرة على التّعاطي مع التطوّرات العلمية والفكرية والأدبية في السّاحة.

( ج ) ـ تفجير الكفاءات العملية: فقد كان طالب العلوم الدينية في الحوزة يتعبأ من العلم، دون أن يتدرّب أو يتعلّم أساليب بثِّ العلم ونشره، فليست هناك دروس للكتابة أو الخطابة أو الإدارة أو العمل الاجتماعي، بل كان هناك تكريس للعزوف عن هذه الأنشطة والممارسات، لأنها تشغل الطالب عن العلم، وهي أدوار لا تتناسب مع الوزن العلمي. لذلك يتحدّث السيد مهدي الحكيم عن الضُّغوط التي مُورست على والده لكي يمنعه من الخطابة الجماهيرية وإلقاء المحاضرات، فتلك وظيفة الملالي و« الروزخونية » والقُرّاء، ولا تتناسب مع المقام العلمي!!

وحينما اهتمّ الشيخ باقر شريف القرشي ببحث حياة الأئمة والتحقيق في سيرتهم والكتابة عن تاريخهم، وأصدر كتابيه المشهورين[حياة الإمام الحسن] و[حياة الإمام الكاظم] قرّر بعض موزِّعي رواتب الطَّلبة من قبل المراجع قطع راتبه ومكافأته الشَّهرية، لأنه ما عاد يصدق عليه أنه طالب علم بل كاتب وقرطاسي!!

أمَّا الشِّعر والأدب فإنَّه يزري بالعلماء، كما قال أحدهم:

لكنتُ اليوم أشعر من لبيد ولولا الشِّعر بالعلماء يزري

وقد ذكر الأستاذ علي الخاقاني في موسوعته [شعراء الغري] عن بعض العلماء أنّهم أتلفُوا دواوين شعرهم حفاظاً على سمعتهم العلمية.

كان هذا هو الجوُّ السَّائد في الوسط الحوزوي، ولكن الشيخ زين الدين وهو يهيّئ طلابه وتلامذته للقيام بدورهم الرِّسالي، ووظيفتهم الشَّرعية في استنهاض الأمة، وتوعيتها بدينها وواقعها، ودفعها نحو بناء المستقبل الأفضل لذلك توجّه لتفجير كفاءاتهم العملية، وتشجيعهم على الإمساك بسلاح القلم، وصقل سيف اللسان، وامتلاك لغة الأدب الحديث.

كان الشيخ زين الدين يشقّ أمام تلامذته طريق الأدب المعاصر وقدَّم لهم من كتاباته وشعره نموذجاً ونهجاً يقتفون فيه أثره.

يقول الأستاذ علي الخاقاني:

(ولمزيد فضله فقد أخذ عليه الفقه والأصول رعيل من شبابنا المثقَّف، واطمأنَّ إلى خبرته الأدبية فريق من الأدباء المعروفين من النَّاشئة. وقد حباه الله بمواهب عالية في الأسلوب، فهو موفّق فيه يستولي على الألباب الواسعة ويهيمن على القلوب المتحجِّرة، وكُتبه التي ألَّفها دلَّت على خبرته وإتقانه للأُسلوب الأخَّاذ المشفوع بالخواطر الجليلة... وبقدر ما أُوتي موهبة في الأُسلوب النَّثري فقد حاز على مقياس كبير في الشعر) (13).

وهو صاحب أوّل مبادرة لتدريس الأدب الإسلامي في الحوزة العلمية، كما كان يُشجِّع طلابه ضمن حلقته الأدبية على التمرُّس في فنون الشِّعر والأخذ بألوان الأدب.

يقول السيد مصطفى جمال الدين: (كنت أنا واحداً ممّن انضمّ إلى حلقة الشيخ زين الدين. وكانت في أول أمرها في مدرسة الخليلي ثم انتقلت إلى مدرسة الآخوند الوسطى. وفي هذه المدرسة انضمّ إليها قطب آخر هو الشيخ سلمان الخاقاني بما له من ثقافة واسعة، واطلاع على كل جديد يصدر في المكتبة العربية وصُحفها ومجلاّتها، وكان نشاطنا الأدبي يُثيره فيها كل من الشيخ زين الدين والشيخ الخاقاني بأسئلة شعرية يطلب الإجابة عنها شعراً، أو اقتناص موضوع طريف يتسابق فيه الجميع، ثم يحكّم أحد شعراء النجف البارزين يومئذٍ كاليعقوبي أو الجعفري للحكم بأجود قصيدة لهؤلاء المتسابقين، وهكذا )(14).

ويقول أيضاً: (أمّا حياتي الأدبية والشِّعرية بوجه خاص فإذا كنت مديناً فيها لأحد فلهذين الشّيخين الجليلين: محمد أمين زين الدين.. وسلمان الخاقاني، فهما اللذان وضعا اللبنة الأولى في أساس ظللتُ أبني عليه بعد ذلك) (15).

( د ) ـ تهذيب النَّفس وصقلها بمكارم الأخلاق: حيث كان خير قدوة لتلامذته، وما كان بحثه عن الأخلاق عند الإمام الصّادق(ع)، والذي طبع في كتاب مستقل إلاّ بلورة وصياغة لبعض أحاديثه وتوجيهاته الأخلاقية لطلاّبه.

كما كان يغرس في نُفُوس تلامذته هُموم الأمة، ويضعهم أمام مسؤولياتهم في التّصدِّي لمهمّة الإنقاذ والتَّغيير.

لذا نرى تلامذته وقد أصبحوا قادة لمسيرة الإصلاح والنَّهضة في مجتمعاتهم، وروّاداً بارزين في ساحة الصَّحوة الإسلامية المعاصرة.

ونشير إلى بعض تلامذته كنماذج للتَّدليل على هذه الحقيقة.

1ـ السيد مهدي الحكيم: أُستشهد سنة(1989 م) كان اليد اليُمنى لوالده الإمام الحكيم ومعتمده في المهام السياسية بشكل خاص، حيث كان يقيم في بغداد، وكانت السُّلطات الحاكمة تنظر إلى دوره الفعّال بقلق وارتياب، وتراه مصدر خطر على استبدادها وسياساتها القمعية الفاسدة.. فحاكت ضدّه المؤامرات حتى اضطُرّ لمغادرة العراق، واستقرّ به الأمر لبضع سنوات في إمارة دبي، حيث نظم شؤون المؤمنين هناك وجمع شملهم، وأشاد مؤسسة لإدارة أوقافهم، وحينما تحرّكت السّاحة الإسلامية في العراق بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كان له دور قيادي سياسي بارز، حيث انتقل إلى لندن والتي أصبحت منطلقاً لنشاطه، وأسّس« رابطة أهل البيت »، واغتيل في الخرطوم من قبل المخابرات العراقية.

2ـ الدكتور السيد مصطفى جمال الدين(توفي سنة 1996 م): من أبرز أُدباء العرب المعاصرين، ويحتل مكانة علمية وسياسية واجتماعية مرموقة، وكان له ثقله في ساحة العمل الوطني والإسلامي في العراق.

3ـ الشيخ مهدي السماوي: وكان العالم الدِّيني لمدينة السماوة العراقية، ومن طلائع الحركة الإسلامية في العراق، ومن العلماء الرِّساليين العاملين، وقد أُستشهد سنة(1979م) على يد أجهزة النظام العراقي.

4ـ الدكتور السيد محمد بحر العلوم: وهو علم بارز في المجال السياسي للقضية العراقية، إضافة إلى مكانته العلمية والأدبية.

5ـ الشيخ محمد مهدي الآصفي: وهو من قادة الحركة الإسلامية في العراق، وله عطاء علمي وفكري متميّز في السّاحة الإسلامية.

6ـ الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي: وهو من أبرز علماء الأحساء المعاصرين، تميّز ببحوثه الفكرية، وتحقيقاته العلمية، وبعطائه الثّقافي الذي جعله في الطَّليعة من مفكِّري الصَّحوة الإسلامية.

7ـ الشيخ عبد الأمير الجمري: من أفاضل علماء البحرين وخطبائها المرموقين، ومن قادة الحركة الإسلامية فيها، حيث يحظى بشعبية كبيرة ونفوذ جماهيري واسع.

8ـ الشيخ أحمد البهادلي: من أساتذة جامعة النجف الأشرف وكلية الفقه، وكان عضواً في منتدى النشر، وأبرز مؤلّفاته[محاضرات في العقيدة الإسلامية].

هذه النَّماذج المتميِّزة من العلماء والمفكِّرين وقادة الإصلاح والعمل الإسلامي تُدلِّل على منحى مدرسته، ونوعية التَّوجيه التربوي فيها.

وحقاً ما قالته « منظمة الإعلام الإسلامي » في الجمهورية الإسلامية ضمن التَّقديم لكتابه [الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته] حيث قامت بإعادة طبعه سنة(1985 م)، وأطلقت على الشيخ زين الدين لقب « أُستاذ الجيل العراقي المسلم ».

وحقّاً ما قاله فيه سماحة السيد محمد حسين فضل الله :

(وقد انطلق سماحة الشيخ زين الدين في تربية مجموعة من الشباب استطاع أن يثبت فيهم روح الوعي وحركيه الثقافة الأدبية في الإسلام والفكرة ، فكان منهم الكتّاب والشعراء ، ولذا فقد أطلق البذرة الأولى في أرض الحوزة في النجف الأشرف في نشوء جيل مسلم منفتح على العصر بأسلوب العصر ، وفي دائرة ذهنيته ؛ وبهذا يعتبر سماحة الشيخ زين الدين من أوائل المجددين في هذا الاتجاه) (16)

{ 4 }

التجديد الفكري والثقافي

كانت الأمة تعيش تناقضاً حاداً بين الفكر الديني التّقليدي في أُسلوبه وطروحاته، وبين الفكر المادّي الحديث بقسميه الغربي والشّرقي في شعاراته الجذّابة وأُسلوبه الرّائق.

فمع انشداد أبناء الأمة لدينهم، ورغبتهم في التمسّك بأصالتهم، لم يكن الخطاب الديني مشجعاً ولا قادراً على الاستقطاب والإقناع، فأُسلوبه قديم، وأطروحاته متخلّفة عن مواكبة قضايا الحياة، ومواضيعه لا تلامس هموم العصر. وفوق ذلك كلّه فهو قليل التوفّر والحضور في أوساط الجمهور.

أمّا الفكر المادي الوافد فقد أطلّ على نخبة الأمة وجماهيرها في لغة عصرية شيّقة، وعبر آليات وقنوات متنوّعة، كالقصّة والرّواية والمسرح والصّحافة ووسائل الإعلام المتطوّرة.

وهو يقدّم الحلول ـ ضمن منحاه المادي ـ لمشاكل يعيشها الناس، ويضع المعالجات لقضايا تستقطب اهتمامهم، ويرفع شعارات الإنقاذ والخلاص.

لقد عانى جيل الأمة المعاصر، منذ مطلع هذا القرن، استقطاباً حاداً، وتناقضاً عنيفاً بين ما يرغب فيه من أصالة دينية، والتزام مبدئي، وبين ما يحتاج إليه من حلول ومعالجات لواقعه المتأزم، ومشاكله اليومية الحياتية، ولغة عصره المعاش.

وكان الشيخ زين الدين من أوائل علماء الشيعة في العالم العربي الذين أدركوا عمق هذا التحدّي، وشخّصوا حقيقة المشكلة، واتجهوا إلى معالجتها وتلبيتها.

وكتابات الشيخ زين الدين تعتبر من الكتابات التأسيسية للتجديد في الفكر الإسلامي، ولعله أول قلم ديني لفقيه يتجاوز لغة الماضي في أُسلوبه، ويكتب بلغة الأدب المعاصر، كما هو واضح في كتابه[ الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته ] وكتابه[ العفاف بين السّلب والإيجاب ] وكتابه[ إلى الطليعة المؤمنة ] وسائر كتبه.

يقول الدكتور مصطفى جمال الدين:

« وكان هذا الشيخ ـ زين الدين ـ بالإضافة إلى علمه الجمّ، شاعراً من طراز متقدم، وكاتباً بارعاً ذا أُسلوب متميّز، لعلّه أقرب إلى أُسلوب الزيّات، تدلّ عليه رسائله[ إلى الطليعة المؤمنة] وكتابه الرائع[ الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته ] ولعله أول كتاب يظهر في النجف بلغة مشرقة الأُسلوب، حديثة المعالجة لقضايانا الفكرية، كما كان فيلسوفاً أخلاقياً يشهد له كتابه[الأخلاق عند الإمام الصّادق(ع)]، ورسالته[كلمة التقوى] في عشرة أجزاء، أكبر دليل على فقاهته، وغير ذلك من مؤلّفاته، وكان هذا الشيخ الجليل محور حلقة من العلماء يمتازون بثقافتهم الواسعة، وأساليبهم الرائعة »(17).

ويقول سماحة السيد حسن النوري :

( وأحسب أن قلم شيخنا الفقيد كان فريداً في حوزة النجف من حيث الجمال والشفافية، وإن كان هذا لا يعني عدم وجود أقلام أخرى تميزت بجوانب أخرى من الكمال .

كانت الحروف والكلمات تنساب على لسانه بيسر وطلاقه ، كما كانت تفعل حيث يجري قلمه. وإنه ليأخذك من غير اختيار في موضوعاته لأن المضامين رائعة والأسلوب أروع) ( 18 ) .

{ 5 }

الانفتاح على الجمهور

النَّمط المعتاد في حياة الفقهاء هو العيش ضمن إطار الحوزة العلمية، والتَّعاطي مع العلماء والطلاب والتلامذة فيها، دون أيّ انفتاح أو تواصل مع جماهير الأمة إلاّ عبر قنوات ونوافذ محدودة قليلة.

فالفقيه والمرجع لا يغادر الحوزة العلمية إلاّ نادراً، وفي حدود الضّرورة. ولا يسافر إلى سائر المناطق والبلدان، ولا يكتب لعموم الناس، وإنما يكتب في مجالي الفقه والأصول وفي مستوى الاستدلال العلمي، ولا يخاطب الجمهور وإنما يلقي بحث الخارج للتلامذة المتخصّصين.

هذا الانقطاع من قبل المراجع والفقهاء عن ساحة جماهير الأمة، والذي تفرضه الظروف في بعض الأحيان، وتقتضيه الأعراف والتّقاليد غالباً، له آثار سلبية على الفقهاء وعلى جمهور الأمة.

فالفقيه لا يُلامس قضايا الناس، ولا يباشر التَّعاطي والتَّعامل معهم، وبالتّالي فمعرفته بهم وإدراكه لآلامهم وآمالهم محدودان ومتأثّران بالقنوات والنَّوافذ الموصلة بينه وبينهم.

كما أنَّ حضور الفقيه وسط الجمهور يعطي للناس زخماً معنوياً كبيراً، ويكرِّس انشدادهم وارتباطهم بالدين والقيادة الدِّينية.

من هذا المنطلق، كان الشيخ زين الدين حريصاً على الحضور والتَّواجد في ساحة الجمهور، عبر رحلاته التي كان يقوم بها سنوياً إلى البحرين والقطيف والبصرة، فيؤمّ الناس في صلاة الجماعة، ويُلقي فيهم الدُّروس والخطب، ويستقبلهم ليجيب على تساؤلاتهم، ويتحادث معهم، ويتقبّل دعواتهم، ويدخل بيوتهم ومنتدياتهم.

يقول الأستاذ سالم النويدري:

« كانت له زيارات منتظمة للبحرين في كل عام، حيث يقضي في ربوع قرية آبائه ـ كرزكان ـ على السّاحل الغربي للبحرين ثلاثة أشهر متّصلة، يُقيم الجمعة في جامعها المشهور الّذي تؤمُّه جماهير البحرين المؤمنة من مختلف المدن والقرى، وكان يتنقّل في أرجاء البلاد ليتحف المؤمنين بمحاضراته القيّمة ومواعظه المؤثّرة.

(ومثل ذلك كان يفعل في ـ القطيف ـ، وفي مسقط رأسه بمدينة ـ البصرة ـ ثمّ يعود أدراجه إلى دار هجرته في ـ النجف الأشرف ـ ليرفد طلاّبه الّذين ينتظرون قدومه متلهفين بفيض معارفه وزاخر علمه وناصع بيانه، ويكلأهم برعايته وحنانه الأبوي الفيّاض..

ولئن نسيت، فلا أنسى تلك المجالس التي كانت تجمعنا بسماحته في البحرين حيث يتحلّق الشّباب المؤمن من حوله، وكلّهم آذان صاغية لذلك السّلسال العذب من الألفاظ، وهو يردّ على أسئلة الحاضرين، فيشيع في أرجاء المجلس روحانية قلّما تلحظها في مجالس أخرى.

وكانت هيبته ووقاره لا يمنعان الشباب ـ ولو كانوا في سنّ الحداثة ـ من الارتشاف من معينه العذب، لما يلمسونه فيه من إقبال منقطع النّظير على احتضانهم والاقتراب من حياتهم، والولوج إلى أعماق مشاكلهم، وهذا ما لم يعهدوه حتى فيمن دونه رتبة ومقاماً، من حملة العلم وأرباب الفضل في مجتمعهم »(19).

ويقول الحاج كاظم يوسف التميمي : ( كانت زياراته المنتظمة للبصرة في فصل الصيف أشبه بمواسم التثقيف والتوعية ، حيث تستضيفه مكاتبها الإسلامية فيسارع إليه المؤمنين ويجتمع لديه الدعاة العاملون في سبيل الله ، يستمعون إليه محاضراً في موضوع أو متحدثاً في مناسبة، وفي حديثه من قبسات الفكر والمعرفة وهدي القرآن وسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وآل البيت ( عليهم السلام ) وجهاد المسلمين في صدر الإسلام ما يغرس في النفوس حتمية انتصار الإسلام، ويهوّن أعباء الطريق الطويل، ويخفف عنهم ضغوط الواقع المختلفة.

كما يتوافدون إلى بيته في نهر خوز في زيارات جماعية، فكان ديوانه المتواضع ملتقى لمريديه ، وأغلبهم من الشبان المتحمسين لتلقّي أفكاره وتوجيهاته، وقد كان لي شخصياً شرف الحضور والإفادة من أفكاره السليمة وآرائه السديدة ، مع بعض الأخوة البصريين ومن الشهيد الشيخ عارف البصري ، وهو من مريديه والمقربين إليه ، وأول من دعاني لزيارة الفقيد وعرفني عليه . ومنهم المرحوم الشيخ سهيل نجم السعد وآخرون . كما كانت للشيخ الفقيد ( رحمه الله ) زيارات عمل ونشاط فكري وتربوي في البحرين و القطيف و سيهات على الساحل الشرقي للخليج ، يتجول بين مدنها وقراها ، وتنعقد مجالس الوعظ والإرشاد أينما حلّ، ولا يفوتني أن أذكر أنه كان يدفع المرتبات الشهرية لطلبة الحوزة العلمية في النجف ، ويسهم في إعالة ما يقرب من ثلاثة آلاف عائلة في النجف والبصرة بعد فرض الحصار على الشعب العراقي ) ( 20 ).

وكان للشيخ زين الدين انفتاح مميّز على الطّبقة المتعلّمة والمثقّفة من الأمة من أساتذة الجامعات وطلابها، حيث وجدوا فيه ملاذاً للإجابة على إشكالاتهم وتساؤلاتهم، وكان يرفدهم بالتشجيع والدّعم الرُّوحي، ويُعطي من نفسه ووقته للإجابة على أسئلتهم تحريرياً حينما يراسلونه وبشكل مسهب مفصّل، وقد جمع بعض تلك الإجابات وطبعها في كتاب بعنوان[ إلى الطليعة المؤمنة ] اشتمل على ثمانية وأربعين رسالة.

ويُشير في فقرة من إحدى تلك الرسائل إلى اهتمامه بمراسلة أولئك الشباب على كثرتها، وأنّه يعطيها الأولوية على سائر بحوثه وكتاباته، فيقول في سياق الاعتذار لأحدهم لتأخره في الإجابة على أسئلته:

« وقد وردت عليّ أمنيّتك هذه أيُّها العزيز وأنا في ضائقة من الشَّواغل، فماذا أعمل، وماذا أصنع؟.

فهل تعلم أنَّ بين يديَّ أكثر من عشرين عملاً يتطلَّب الإنجاز؟

وفي ضمن هذه الأعمال أكثر من ثلاثين سؤالاً ينتظر الجواب؟

وأنَّ بعض هذه الأسئلة يفتقر إلى أكثر من خمس صحائف في الشَّرح والتَّعليق؟

هل تعلم أنِّي منذ شهرين كاملـيـن، لـم أكتب جمـلـة واحدة فـي الـحلـقـة الـثَّـانية من كتاب [ الإسلام ]؟!» (21).

ويقول ضمن رسالة أخرى:

« إنَّني لا أتساهل ـ ما استطعت ـ في أمر تفرضه عليَّ الدَّعوة إلى الله والدَّلالة على سبيله، وإنَّ من مهمّات هذه الأُمور لديّ أجوبتي على مسائل الشباب الميامين الذين أعقد عليهم الأمل، وأتوسَّم فيهم الخير، والَّذين يجعلونني موضعاً لثقتهم فيفضون إليَّ بشبهاتهم، ويبثُّون إليّ شجونهم في رسائلهم.

لا أتسامح ما استطعت وما يكون لي أن أتسامح وأنا أعلم أنَّها أمانة كبيرة يحاسبني الله عليها ويسألني عن الوفاء بها، أمَّا محاسبة الضَّمير ومسألته فهما دون ذلك في موازين أهل الدعوة وفي موازين أهل الدين »(22).

تلك كانت بعض المعالم من منهج الإصلاح والتّطوير في حياة الشيخ محمد أمين زين الدين، والتي يتلاشى فيها حُضُور الذَّات إلى أقصى حدٍ ممكن، بينما يتركّز فيها العمل من أجل الهدف المقدَّس، والإخلاص للرِّسالة المنقذة، والحركة والنِّشاط لتطوير الأمة، فهي تمثّل تجربة رائدة في الإصلاح دون حضور الذات.

بالطّبع فإنَّ لكل تجربة ظروفها وخصائصها، ولكلِّ مصلح أُسلوبه وطريقته، وحينما نقرأ أيَّ تجربة فإنَّها لا تُغنينا عن سائر التَّجارب، ولا تلغيها ولا تخدش من قيمتها، بل تجعلنا أمام أفق جديد، وخيار آخر ودروس إضافية.

رحم الله الشيخ زين الدين ورفع درجته ومقامه في الجنّة، ووفَّق الله أبناءه وتلامذته والعاملين المخلصين من أبناء الأمة لمتابعة مسيرته وتحقيق أهدافه الإسلامية العظيمة.

ملامح من أفكاره وآرائه

فقرات مقتبسة من بعض كتابات الشيخ زين الدين بمثابة عينات على فكره الرسالي وآرائه الإصلاحية


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33144 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟