موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
قصّة كلمة التقوى عدد القراءات : 1044
سيد مجيد سيد مهدي سيد فضل

الحاج سيد مجيد سيد مهدي سيد فضل يروي قصّة " كلمة التقوى "
السيًّد مجيد: الجمري وقاسم تابعا معنا طباعة ومراجعة ( كلمة التقوى ) أولاًً بأول
أجرى الحوار: محمد نعمان-البحرين

من وحي الآية الكريمة (( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا )) " الفتح 26 " ينطلق المرجع الشيخ محمد أمين زين الدين ليؤلف موسوعته التي تضمّ بين دفتيها مكتبةً فقهية متسعة الآفاق، يتناول فيها سماحته مختلف العناوين في عشر مجلدات، يحتوي كلّ مجلد كتاباً أو أكثر ويتكون كلّ كتاب من عدة فصول، فيما يحمل كل سطر ليالٍ مطوّلة من البحث والتدقيق، تستخرج المسائل حرفاً حرفاً من بطون محيطات العلوم لتنسج وتنظم في اتساق وتألق وتكوّن " كلمة التقوى ".
تلك الرسالة العملية الفريدة في الاتساع والمنهج، بكلّ ما حوته من تميّز واحتراف خطّها سماحته بقلمه الشريف ورتّبها ونسقها ولم تكن لترى النور وتصل الى ايدي المقلدين ويتداولها العلماء والمهتمون، في ظل تلك الظروف الضاغطة لولا جهود المؤمنين وسعيهم الدؤوب في نقلها إلى شتى النواحي والأمصار.
البحرين .. كانت على موعد مع ذلك النور، وقد نالت شرف طباعة وتوزيع " كلمة التقوى " ووراء ذلك الشرف اختفت حكايات عيون سهرت وأجساد أرهقت .. واختفت رجال صنعت أثيل ذلك المجد وحملت على عاتقها أمانة نقل الحكم الشرعي والعلم الذي ينتفع به .. والحاج سيد مجيد سيد مهدي سيد فضل من أولئك الرجال، وهو أحد وكلاء الشيخ وكان له شرف القيام بالدّور الأساسي في نقل الرّسالة والعمل على طباعتها ونشرها .. ومعه نبحر الى عمق تلك الحكاية ونتوقف لديها..

حديثٌ يجذِبُكَ للإسلام

تقوده الذكريات ونحن نلتقيه في مكتبه المتواضع إلى مطلع ستينيات القرن الماضي .. كرزكان تعجّ بالبشر المتعطشة للدين، المتحلّقين المحدقين بالشيخ زين الدين، لم يكن من الشباب إلا القليل ممن يحضرون تلك المجالس العامرة، والشيخ يميّز من يحضر ويحتفي به وتكون لجاذبتيه سطوتها في النفوس، وتكون لنظرة سماحته تربيتها ورعايتها للوجوه اليافعة، نضحُ ووعظُ وكلماتُ هادية وحضور لا تفوته مسألة كما لا يمكن أن يعبّر منه موقف للتذكير بالآخرة..
منسوب الوعي كان قليلا ومن يحضر الصلوات ومجالس العلماء يقال له: " مطوّع " وصلوات الجمعة محدودة آنذاك .. الشيخ إبراهيم المبارك، الشيخ عبد الحسن، حتى أن أحد التجار لم يكن يريد صرف الخمس إلا فيما يرى أنه للصالح العام من بناء مستشفى أو مدرسة ولم يعجبه تسليمه للمشايخ والسادة وتوصيله إلى يد فقيه أو وكيله، ورجع للشيخ واستفتاه في ذلك فشرح له الامر وبيّن له أن أموال الخمس مهما كبرت فهي من اختصاص الفقيه .. هكذا كان الوعي، والإقبال كان ضعيفاً على المعرفة الدينية ولا نبالغ إن قلنا أن هنالك نفور..
الشيخ كان يؤمّ المصلين في فترة تواجده السنوية.. ويحضر مجلسه كبار السّن لذلك كان حضورنا ونحن في الثانوية ملفتاً فليس هنالك في مثل هذه الأماكن شباب أو ناشئة، وسماحته يهتم بالشباب ويركز على التشويق ويطرح أساليب قوية في الجاذبية والاستقطاب فكان يحتضن الصغير ويوقّر الكبير ويشجّع الشباب على التفقه والتدين.. فكنا من أكثر المتأثرين به ونما فينا الشعور بأهمية الالتزام، تأثرنا بأساليب التشويق للإسلام من خلال أحاديث وخطاب زين الدّين، كنا نحرص على حضور صلاته ومجلسه ونشعر بلذة في ذلك، ولا شك أن في ذلك أثراً تربوياً علينا لازال مستمراً حتى اليوم.. تلك ذكريات لا تنسى ربما سلطت الضوء على دور سماحة الشيخ زين الدين في الدعوة ونشر الدين، وكان لا بد من المرور عليها.

بداية التكليف

ويروي السيد مجيد سيد مهدي كيف كانت البداية مع كلمة التقوى، وتحسّ في كلامه نبرة الحنين إلى صبيحة ذلك اليوم الذي تشرّف فيه بزيارة الشيخ زين الدين في النجف الأشرف، وأخبره سماحته أنه يكتب كتاب الصوم من رسالته، ويذكر السيد أنه كان في زيارة مع عائلتة إلى العتبات المقدسة، ولكن برنامجه كان مع سماحة الشيخ وطلبته حيث كان يزور مجلسه في كل يوم يقوم بنقل المسائل ونسخها حتى نقلها كاملة وذلك أول ما وصل إلى البحرين..
وينقل السيد أنه أتى بها إلى سماحة العلامة الشيخ عيسى أحمد قاسم فكلّفه بطباعتها ونشرها، وهنا بدأ التكليف وتحمّل شرف الأمانة، وعرضت على بعض الإخوة من المؤمنين مساعدتي فاستجاب منهم الأستاذ محمد جعفر الدرازي، الأستاذ ياسين عبد الكريم الشهابي، والأستاذ جعفر داود والأستاذ ميرزا عبد الله الدرازي والأستاذ عبد الرزاق زين الدين، وأنضمّ إلينا بعض الشباب كالأستاذ نادر عبد النبي السّاري والأستاذ عبد الرضا محمد عبد الله والأستاذ عصام حبيل وغيرهم جزاهم اللله ألف خير ..
بعد ذلك كنا نتواصل مع الشيخ ونوصي الزوار بأن يأتوا بما يكتمل إلى العلامة المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري، والذي كان يتابع معنا فيما تابعنا سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم فيما بعد جزءاً جزءاً وكلمة كلمة .. حتى انقطع الاتصال مع سماحته بسبب الأحداث والاضطرابات هناك وصعبت المهمة، ولكنها استمرت بمتابعة من العلماء..

صعوبات المراجعة والطباعة

ويتحدّث السيد عن صعوبات تلك المرحلة التي لم يكن فيها تقنيات المطابع بمستوى الرّقي الحالي قبل عقدين من الزمان، فالمطابع كانت تتبع طريقة صفّ الحروف والتي يعتمد فيها على الخبرة الأجنبية والآسيوية بالتحديد، الأمر الذي اضطره لمقابلة مدير المطبعة لعدة مرات ونصحه بتشغيل العرب والبحرينيين لما في ما جرى من خسارة للمطبعة ومضيعة للوقت..
ويشرح السيد بأن الوضع كان صعباً إلا أن الله وفّق فقد كان حينها مدّرساً ويتابع بعض الأعمال وكان علينا السّهر في كل ليلة حتى وقت متأخر في عملية المراجعة فكنا نتابع مع المخطوط من سماحته وقد كان خطه جميلاً وواضحاً، ولكننا كنا ندقق كلمة كلمة، ومن ورائنا المشايخ وبعض مالم يكن واضحاً نسجّله كملاحظة لنراجعها معهم، كان الجزء يستهلك منا من المراجعة ستة أو سبعة أشهر فالطابعة تعيد إلينا التعديلات أربع أو خمس مرات، وفي بعض الأحيان نفاجأ بحذف سطر أو فقرة حتى مع المراجعة..
ويشرح السيد مستعرضاً بعض الأوراق والمخطوطات القديمة والتي كان يتضح فيها التصحيح .. انظر لا نترك الهمزة والنقطة والفراغ وعلامات الترقيم، لقد كان الأمر مرهقاً ولكننا كنا حريصين أن لا يكون هنالك خطأ، وكل الهم يزول حين يوزّع الكتاب.
لقد كان مجلس السيد في منطقة الدراز هو محطة الالتقاء والمكان تتم فيه المراجعة، ويتذكر السيد تلك الليالي وحلاوتها، ولكنه يشير إلا أنها لم تمر بدون مفاجآت، فقد دخل أحدهم عليهم ذات ليلة وفي وقت متأخر بشكل غريب ومريب بحجة واهية !
وفيما يتعلق بالتمويل يوضح السيد أنه كان بالاقتراض من الحق الشرعي وإرجاعه بعد بيع الكمية التي لم تكن لتوزّع وتنشر حتى تنفذ، لقد طبعنا عدة طبعات من بعض الأجزاء، يقول السيد ذلك وهو يقلب في النسخ التي يحتفظ بها انظر هذا كتاب الدين طبع في 29 دسيسمبر 1988م ، كتاب الصيد والذباحة 1989م ، الصوم 1987 الطبعة الثالثة أصبحت الصوم والاعتكاف 1997 التجارة.

كتاب لم يرَ النور

وينقلنا السيد الى كتاب الشُفعة، وهو الجزء الثامن من كلمة التقوى والذي لم يوزّع على الرّغم من طباعته، ويضم كتب الشُفعة والعجالة، والعارية والوديعة وإحياء الموات ، والمزارعة والمسقاة والسبق والرماية وكتاب الإقرار .. والذي أوكل إلى جماعة من الإخوة لمراجعته وطباعته في الجمهورية الإسلامية إلا أنه وبعد طباعته وجدناه مليئاً بالأخطاء وراجعناه صفحةً صفحة ولم نجده مناسبا لتوزيع لقد كان ذلك في بداية التسعينيات، ويشير إلى أن هنالك كميات كبيرة منه لم تزال مخزنة ولم توزع.
ويقلب السيد تلك الكتب والمطبوعات ويتأمل فيها مشيراً إلى هذه المسألة وتلك ليوضّح مدى دقة الشيخ وسعة ووضوح طرحه الفقهي .. ويعود بذاكرته إلى المسائل التي لم تكن واضحة وتأخذ في مراجعتها أسابيع وأشهر، ويعيد بأن المراجعة كانت متعبة ويذكر كتاب المسائل المستحدثة والتي كلّف الشيخ الجمري رحمه الله الأستاذ علي منصور الشهابي بها فأتبعه لكثرة إعادته من المطبعة، حتى حوّله على نفس الفريق.. فالأمر كان يحتاج إلى جهد جماعي وصبر.

مكتبة فقهية متكاملة

ويتذكّر السيد كيف كانت النسخ تنفذ بشكل سريع، وكيف كانت العلماء والنخبة وجمهور المؤمنين يتهافتون على كل جزء يصدر، ويصف كيف كان اهتمام ومتابعة القائمين على الموضوع من السيد جواد الوداعي والشيخ عيسى أحمد قاسم والشيخ عبد الأمير الجمري وغيرهم من العلماء الأفاضل، ويذكر كيف أن المرحوم سماحة الشيخ سليمان المدني قد وصف الرسالة بعد عدة أجزاء بمكتبة متكاملة في الفقه، ويضيف السيد أن أسلوب الشيخ في تناول المسائل ودقته وتمحيصه كان محط إعجاب الجميع..

نسخ ومخطوطات أغلى من الذهب

لقد بدا في نبرة صوت ونظرات السيد كيف يعتز بتلك الأيام، لقد أثرت تلك المخطوطات الوريقات الصفراء ذكريات غالية، فهو لا يزال يحتفظ بكل ورقة من أوراق المراجعة والتصحيح والملاحظات، كما يحتفظ بالنسخة الوحيدة للكتب والمنقولة من لدن الشيخ، ويعرضها مصوّرة ومجلدة بعناية في نسخ من القطع المتوسط، ومحفوظة في مكتبة خاصة.. هذا كتاب الطهارة وهذا كتاب الصوم وهذا كتاب الصلاة .. كلها من أغلى المخطوطات والنسخ.. إنها أغلى من الذهب..

ويعتبر السيد أن أيام (( كلمة التقوى )) من أهم الأيام في حياته، ويذكر مناقب الشيخ وذكريات تشرّفة بالصلاة من خلفه واحتفاظه ببعض التسجيلات والتي سلّم بعضاً منها للشيخ محمد صالح الربيعي. ويختم لقد تواصلنا مع أبناء الشيخ وتابعناه حين مرضه .. حتى اتصلو بنا وأخبرونا بفاجعة الوفاة وساعتها استعبرنا على (( كلمة التقوى)).


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33155 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟