موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
أصالة في انفتاح .. زين الدين مثالاً عدد القراءات : 958
ابراهيم زين الدين

ابراهيم زين الدين - البحرين

في مسيرة كل المجتمعات تجد شموعا تنير الدرب ليصل السائر إلى غايته بسهولة لوجودهم في هذا الطريق , والفقهاء والعلماء الحكماء خير من يمثل النور في هذه الأمة بل هم النور ذاته , وها نحن نقف في هذه المقالة على ضفاف بحر من بحور العلم والفقاهة والتقى , لنستنير من نوره ونقتبس من ضياءه , ونغرف من نمير علومه ,ونجلبب شخصياتنا بكماله فنكمل , ولتبقى أجيالنا مشدودة إلى القدوة الصالحة, في وقت يحتاج الجيل إلى المرشد لتحديد القدوة من بين كل ما يراه ويشاهده في حياته اليومية .
إنه سماحة الفقيه الجليل والعالم الكبير والمربي الحنون آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين قدس سره الشريف , الذي كان مثالا للعالم الرباني والمصلح الإسلامي والمرشد الإيماني , مثالا للعالم المجسد وعي الإسلام وقوة الإيمان ورجحان العقل وتنور الفكر ,والتحرر من كل القيود التي فرضها العرف القائم على غير هدى من دين , إنه الفقيه المنفتح في أصالة والأصيل في انفتاح .
إن مفردة الانفتاح باتت من المفردات المنتشرة في أوساطنا بشكل عام ,وبين الشباب بشكل خاص ,حتى أنك تجد الأمي يلوكها بين فكيه, وابن الشارع يتشدق بها ويعلل أفعاله الغريبة باسمها !!!
فماذا يقصد منها ؟ وهل الإسلام يرضى لنا الانفتاح ؟ وإذا رضي هل بشروط معينة أولا ؟ وما هي تلك الشروط؟
إن كل حامل فكر عرفها من منظور خاص توافق مبادئه وأفكاره, لذلك تعددت تعاريف هذا المصطلح , ولنا أن نختار ما يوافقنا كذلك فنقول : إن الانفتاح هو عدم الانطواء على الذات والتقوقع في دائرتها , والتعرف على الأفكار الأخرى والتعامل معها .
في ضوء هذا التعريف نجد أن الإسلام العزيز لا يرى بأسا من الانفتاح , بل يراه من الأمور الضرورية التي يحتاجها الداعي والمصلح الإسلامي في حركته الاستنهاضية لواقع الأفراد والجماعات , يقول تعالى في محكم كتابه الكريم ))ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) (1)
ومن أبرز أسس الحوار الناجح هو معرفة أفكار ورؤى الطرف الآخر , إذ كيف يتصور أن أناقش شخصا لا أعرف أفكاره ؟!! هذا ضرب من ضروب السفه والسذاجة , وخلاف للحكمة .
لكن المسألة المهمة هنا هي :كيف ومتى انفتح على الآخر من وجهة إسلامية ؟
إن الإسلام الحبيب يرى أن الانفتاح المحمود لا بد له من الاعتماد على ركيزتين أساس وهما :

1) أن يبني الفرد المسلم (الذي يريد الانفتاح) ذاته عقائديا وفكريا وثقافيا بناء قويا , يستطيع به مواجهة الأفكار المناوأة والمخالفة للإسلام حتى لا تؤثر فيه وتحرفه عن الطريق المستقيم , ومن هنا نفهم فلسفة تحريم فقهائنا العظام قراءة كتب الضلال إلا لم يريد الرد على المنحرفين ومناقشتهم , أي من هو محصن.
أي أن يمتلك الثقافة الإسلامية الأصيلة ( وهذا يقدر بقدره لكل شخص ) التي يستطيع بها الرد على الشبهات الواردة له أو لا أقل عدم التأثر بها , ومعرفة انحرافها عن الإسلام .
فالإسلام لا يرضى لي أن أقرأ الكتب الشيوعية والماركسية والعلمانية مثلا , دون ان تكون عندي المبادئ الإسلامية الضرورية والتي لا غنى عنها لمن يريد الاطلاع على هذه الكتب , لأن هذا يترتب عليه انحراف فكري لدى المسلم , واختلال نهج وضبابية رؤية .
مثل هذا مثل من يريد أن يسبح في البحر دون أن يتعلم السباحة , هنا يحكم جميع العقلاء بهلاك هذا الشخص لا محاله , لأنه لم يهيأ المقدمات اللازمة لهذا الفعل ...كذلك من لم يمتلك الفكر الإسلامي الأصيل وفق الآليات الصحيحة لا يسمح له بالانفتاح على الآخر , لأن هذا حكم بالإعاد الفكري والعقائدي والثقافي على هذا الشخص , فهنا لو انفتح مثل هذا الفرد على الآخر فهذا انفتاح مذموم ممقوت في الإسلام .
وقد يقال لماذا تحجر علي أن أعرف الآخر حتى وإن لم أمتلك الثقافة الإسلامية الأصيلة الأساس ؟ فيكفي أن يرتكز في النفس المسلمة أن الإسلام هو الدين الحق , وأن كل شبهة ضده لها حلها عند العلماء والمختصين في العلوم الدينية .

هذا كلام سمعته من بعض الشباب المؤمن , ولكن هذا الأمر ليس بدقيق فيما أراه لأن الإنسان إذا لم يستطع رد الشبهات والإشكاليات في حينه , ولم يستقصي الحلول لها , فإنها ترتكز لا إراديا في النفس في منطقة اللا شعور عند الإنسان , وبالتالي تؤثر في البناء الفكري دون الالتفات لها , ومن هنا يظهر لنا الفكر اللقيط أو المعبر عنه بالفكر الالتقاطي , الذي يأخذ من الحق ضغثا , ومن الباطل (من دون قصد) ضغثا , مكونا الفكر الذي يعتبر الأساس المحرك لسلوك الإنسان ,والتي تترشح أفعاله منه.
وقد ترى مثل هذا الشخص يتكلم عن الإسلام وباسم الإسلام , ولكن الإسلام براء منه ومن أفكاره , ومع ذلك يظن بنفسه خيرا ويرى أفكاره هي الإسلام , وهذه الحالة من أسوأ مراحل الهبوط والتسافل عند الأمة .
وقد رأيت أحدهم يتصور نفسه من أتباع أهل البيت ومن الشيعة , ولكنه لم يقرأ ولم يطلع على أبجديات الفكر الديني الإثنا عشري , ثم انتقل إلى مذهب التسنن ولما تكلم عن حياته اتضح أنه كان من المعجبين بالفكر الوارد وبالتحديد الأفكار الماركسية , و أما شبهاته التي أثارها على مذهب أهل البيت , فهي من الشبهات التي يخجل الإنسان من تسميتها بالشبهات أصلا , وما هذه الحالة الحية أمامنا إلا نتيجة واقعية لما تقدم من كلامنا .والله المستعان .

2) الركيزة الثانية أن يكون هذا الانفتاح من أجل خدمة الإسلام والمسلمين .

من هذه النظرة التأصيلية المتينة , تحرك سماحة المرجع زين الدين في اتجاه الانفتاح الواعي , من أجل الإسلام وقوته , وحفاظا على المسلمين من الاغترار بزخرف القول وسخيف الفكر , الذي هجم على الإسلام هجوما لا هوادة فيه , ودخل معركة وجود مع الإسلام يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون .
هذا مع الالتفات إلى الأجواء العامة المحيطة بسماحة المرجع التي ترى في متابعة المجلات فراغا , وينافي مهمة طالب العلم الذي يجب أن يفرغ كل وقته للعلم والبحث والتحقيق , ويرى أن مثل هذه الأعمال عمل البسطاء !!!
لكن سماحة الشيخ لم يعبأ بمثل هذا الجو السائد , وسار في معرفة عصره ومتطلبات زمانه , أيمانا منه بأن الوظيفة المقدسة للعالم هي هداية الناس وخدمتهم , لا الاكتفاء بالعلم الذي لا يتجاوز العقل والورق .
من أجل هذا سار بخطى واثقة بالله في هذا الدرب ,وأشرك تلامذته في هذا الطريق , وشجعهم على الانفتاح الفكري والثقافي والسياسي , ليواكبوا تطورات العالم من حولهم , ولم يخشى عليهم لأنهم تسلحوا بالأصالة قبل الانفتاح , وامتلكوا قوة الفكر والثقة بالنفس وبالذات , حتى صاروا من رواد الحركة الإسلامية في البلاد الإسلامية المختلفة أمثال سماحة العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي , والشيخ محمد مهدي الآصفي , والشيخ عبد الأمير الجمري , والسيد مصطفى جمال الدين , هذا الشاعر الأديب الذي ينطبق عليه قول الخنساء : كأنه علم في رأسه نار , في ميدان الشعر والأدب , الذي يتحدث عن مدى تشجيع أستاذه لهم فيتكلم عن الحلقة الأدبية التي أنشأها سماحة المرجع زين الدين وكانوا يتابعون فيها ((الإطّلاع على كلِّ جديد يصدر في المكتبة العربية وصحفها ومجلاتها.. على أيِّ حال كنّا نمتاز عن الأجيال الأدبية التي عاصرناها في النجف، أننا كنّا كثيري القراءة والمتابعة لكلِّ ما هو جديد، فإذا كان زاد النّاشئة التي نتعايش معها دواوين السيد محمد سعيد الحبوبي؛ والسيد حيدر الحلي والشّبيـبي واليعقوبي من الجديد، ودواوين المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي من القديم، فقد أضفنا إلى ذلك كلَّ ما تيسَّر لنا من دواوين الشُّعراء العرب المحدثين، بما فيها موجة الشِّعر الحديث، بل إنّ بعضنا أخذ يكتب تجاربه بطريقة ـ التَّفعيلة ـ التي لا يعتبرها أكثر نُقّاد النجف شعراً. وإذا كان النقد المسيطر على هذه الأجيال التي عاصرناها هو نقد الجاحظ وقدامة بن جعفر وضياء الدين بن الأثير فقد أضفنا إلى ذلك نقد أحمد الشّايب وسيد قطب ومارون عبود وميخائيل نعيمة ورئيف خوري وكثيراً من الدِّراسات الأدبية المترجمة في موسيقى الشِّعر، وأصوات اللغة، عن الفرنسي« غويار »، والأمريكي« سابير »، والرُّوسي« كوندراتوف »، والإنجليزي« إليوت » (2)

وبهذا العمل الجليل خرج لنا سماحته كوكبة من العلماء المتنورين , التنوير الإسلامي الأصيل , وصاروا ما صاروا وبلغوا ما بلغوا.
هذا يدلل على مدى انفتاح الشيخ المرجع , وهناك جانب آخر ظاهر جدا يبرز لنا مدى انفتاح سماحة المرجع على الأفكار الأخرى , وهي قراءته العميقة للفكر الآخر بحيث يتضح لك وأنت تقرأ له المناقشات للفكر الآخر , أنه وقف على أسسها وولج غمارها , ووصل إلى منتهاها , ويمكن كل واحد أن يرى بنفسه هذا المعنى في كتابه القيم (الإسلام ..ينابيعه .مناهجه.غاياته) عند مناقشته للأفكار الماركسية , وكذلك في كتابه الجليل الذي لا غنى للشباب المؤمن عن قراءته (إلى الطليعة المؤمنة) حيث يناقش نظرية العقد الاجتماعي وبيان أسسها عند جان جاك روسو وكذلك عند توماس هوبز وعند جون لوك , وكيف نقدها وبين رأي الإسلام العزيز فيها , وهذا لا يدع الشك يطال المرجع في أنه من المطلعين على العلوم الإنسانية المختلفة (علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ ومقارنة الأديان وغيرها).

هذا الانفتاح جعل سماحة المرجع أحد أبرز المجددين في الفكر الديني ,حيث فهم عصره الذي عاش فيه, وعرف حاجات المسلمين , وعرف أعداء الإسلام وأفكارهم ووسائلهم في التأثير على الأمة الإسلامية , فقدم الحلول الناجعة لها بلغة تقبلها النخب التي غاب عنها خطاب الدين لتأخر لغته , وتخلف أدواته قبال الأفكار الواردة سواء من الشرق أو الغرب , التي ترفع الشعارات البراقة الجذابة , وتخاطب الشباب والشيخة والصغار والرجال والنساء وبوسائل متعددة , ما جعل شرائح واسعة من المسلمين في حيرة من أمرهم فهم يريدون التمسك بأصالتهم في حين أن الخطاب الديني لم يتجاوب معهم , وغير مستقطب لهم , ومواضيعه لا تلامس الواقع وهموم العصر , لذلك برزت كتب الشيخ زين الدين على أنها الدواء لهذه الحالة المرضية في الأمة , ولتكشف لنا عن شخصيته الكبيرة الواعية التي عشقت الإسلام , فجعلت من يقرأ ما خطه يراعه من عشاق الإسلام والمتمسكين به والمتحصنين بقوته, والمتعززين بعزته .

فالسلام على الشيخ المرجع يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا .
*******


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33164 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟