موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
الشيخ زين الدين النخل لا يزال يتساقط رطباً عدد القراءات : 731
السيد جعفر الديري

السيد جعفر ألديري - البحرين

في أبي الخصيب، جنوبي البصرة، وفي قرية تدعى نهر خوز، رأى هذا الشيخ الجليل النور لأول مرة.. إنها قرية ذات نخيل وخضرة وفضاء مفتوح.. كان لها أن تندمج مع هذه النفس السمحة التي شكلت علامة من علاماته الواضحة، حيث قدر لهذا الرجل العظيم أن يكون مرجعاً وعالماً جليلاً ومربياً وأديباً أيضاً، لا يزال مريدوه يتوسمون خطواته وتاريخه الحافل بكل جليل.
في شهر يونيو (حزيران) الماضي حلت الذكرى التاسعة لانتقال الشيخ محمد أمين زين الدين إلى الرفيق الأعلى، ففي الثاني من يوليو (تموز) من العام 1915 م وحتى الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) من العام ,1998 م وعلى امتداد 83 عاماً كان هذا الشيخ الفذ يؤثر - كمرجع ديني ومربٍ كبير - على أجيال متعددة.

خلف من الأثر ما لا يزال لها موقعها المتقدم في الثقافة الإسلامية، وكان له من حضوره الغني وثقافته الإسلامية الواسعة، وفقاهته ما جعله حتى اليوم علماً بارزاً بين فقهاء أهل البيت (ع) .


مع الشيخ ضياء الدين وحديث عن والده

وقد كان من حظي أن أجلس يوماً مع نجل هذا الشيخ الجليل وهو الشيخ ضياء الدين، الذي وفد إلى البحرين في العام 2005 م بدعوة من أحد المشايخ الكرام، فانتهزتها فرصة وألقيت ما في جعبتي من أسئلة تدور حول حياة هذا المرجع الكبير الذي نذر حياته من أجل أمته، ومن أجل تثقيف أجيال متعاقبة على يديه. وسألت الرجل الجالس أمامي ذا العينين الواثقتين والنظرة الحانية والجبهة الواسعة.. ذا الابتسامة الخفيفة التي تلوّن وجهاً صبغته الحياة بمتاعبها.. سألته عن أبيه الذي كنت أطالع من خلاله ثقة أبيه في نفسه ونظرته الحانية وجبهته الواسعة وابتسامته الخفيفة.
سألته عن علاقة الشيخ زين الدين بالبحرين. وذكرت له أن المعلومات تشير إلى أن الراحل الكبير كان هو محمّد أمين بن الشيخ عبد العزيز بن الشيخ زين الدين بن علي بن مكّي البصري البحراني، الذي كان أبوه من علماء محافظة البصرة، وكذلك كان جدّه الأدنى الشيخ زين الدين، وهو أوّل من سافر من البحرين إلى البصرة.
فأجابني والابتسامة لا تفارق محياّه: ''لقد كان الشيخ - يرحمه الله - يكن اعتزازاً كبيراً للبحرين، فقبل أن يصل إلى البحرين في أواسط الخمسينات من القرن الماضي كانت تربطه صلة ببعض أقاربه، الذين كانوا يترددون على العراق، حتى بدأ يتردد على البحرين بشكل يكاد يكون سنوياً، حين كان يقضي الثلاثة أو الأربعة أشهر كل عام فيها حتى بداية السبعينات، وتأكدت تلك الصلة بالكثير من أهالي البحرين حين امتدت معرفته إلى أبناء معظم نواحي هذا البلد. ولهذا فقد استمر قريباً من هذا البلد حتى الأيام التي سبقت وفاته، فكان دائم السؤال لمن يفد عليه عن كل جزئية أو كلية من حوادث البحرين فيتألم مع الناس فيما يألمون ويسعد فيما يسعدون، وكانت له أمانيه في هذا البلد وطموحاته التي يستعرضها مع من يرد عليه من هذا البلد ولاسيما ثقاته من وكلائه''.


أساليب أدبية تختلف من كتاب إلى آخر

قلّبت بين يدي مجموعة من كتب الشيخ، ككتاب ''العفاف بين السلب والإيجاب''، وكتاب ''إلى الطليعة المؤمنة''، وكتاب ''الإسلام ينابيعه، مناهجه، غاياته''. ناهيك عن كتب أخرى لم تطلها يداي وهي: ''كلمة التقوى''، التي يحلو للبعض أن يعتبرها أوسع رسالة عملية، وكتاب ''بين المكلّف والفقيه''، وكتاب ''المسائل المستحدثة''، و''الأخلاق عند الإمام الصادق (ع) ''.
وسألت الشيخ ضياء الدين عن سر هذا النفس الأدبي الجميل الذي يميز كتابات الشيخ محمد أمين زين الدين.
فأجبني مجدداً: ''إن من يتتبع كتب الشيخ يرى أنه يختلف في أساليبه الأدبية من كتاب إلى آخر، فلكل كتاب أسلوب، ولكل كتاب طابعه، ولكني استطيع القول - كقارئ تابع كتابات الشيخ - أنه يمتاز في أساليبه جميعاً بقدرته على تقديم المفهوم الذي يروم تقديمه للقارئ بأعذب لفظ منتقى، وإن كان من المفاهيم الفلسفية العميقة أو من الأحكام الشرعية ذات الطابع الجدي، ولعل في كتابيه ''الإسلام'' و''كلمة التقوى'' خير شاهد على هذا، وكان كثيراً ما يؤكد للكتاب الشباب على الاستظلال بالبيان القرآني فيما يكتبون، إذ يرى أنه المثل الأعلى للبيان العربي فيستطيع الكاتب من خلال هذا الاستظلال أن يوصل المعنى المطلوب إلى القارئ بأعذب صيغة تمتلك مشاعره من دون أدنى تكلف. وكان يحث الشباب على قراءة ولو آيات من القرآن الكريم والتأمل في كيفية أداء كل جملة لمفهومها ومحاولة تقليدها في الكتابة.. وأتذكر أني قلت له يوماً: ''لو أنكم كتبتم كتاب ''الإسلام: ينابيعه، مفاهيمه، غاياته'' بصيغة علمية لاتخذ هذا الكتاب دوره المهم في كتب العقائد الإسلامية''، إذ إنه يقدمها بشكل متفرد قلما وجد في غيره من الكتب. فأجابني بلهجة لا تخلو من حدة:''لو قدر لي أن أكتب كتاب ''الإسلام'' لما كتبته بغير هذه الصيغة''. وكان يؤكد عدة مرات أنه يتبع فيه الجملة القرآنية حتى في انتقاء الكلمات''.


اهتمامه بالشعر تضاءل مع الزمن

واستفزتني الإجابة، فذكرت للشيخ ما يذكرونه من أنه لم يكن يقبل أن ينصرف طلابه في غير أيام التعطيل لأي عمل آخر. حيث يذكر أحد تلامذته أن الدكتور صالح الظالمي يذكر أن الشيخ محمد أمين زين الدين دخل ذات يوم غرفة الشاعر المعروف مصطفى جمال الديـن، رحمه الله، وكان من أبرز وألمع طلابه فرآه منبطحاً وبين يديه دواوين شعر قديمة وحديثة لعـدد من الشعراء، فقال في أسى، رغم حبّه للشعر، لو بذل السيد جمال الدين هذا الجهد الذي يعطيه للشعر لدراسته الحوزوية لأصبح مجتهداً. فهل كان الشيخ عليه الرحمة محباً للشعر رغم كل ذلك وشاعراً مبدعاً؟
وأجابني الشيخ ضياء الدين برحابة صدر وتواضع جم: ''لقد كان للشيخ قدس سره اهتمام كبير بنظم الشعر، وكان له دور بارز في ندواته التي كانت تملأ الساحة النجفية حينها، إذ تتلمذ عليه في تلك الندوات شعراء بارزون، كالمرحوم السيد مصطفى جمال الدين، ولكنه لم يحتفظ بما كان ينظمه من الشعر إلا النزر اليسير منه، ومنه ما يمكن تسميته بمشروع ديوان ''أماني الحياة'' والذي حاول من خلاله أن ينظم بعض تجاربه في الحياة، إلا أنه لم يسر فيه شوطاً كبيراً، وما فتئ هذا الاهتمام أن تضاءل مع الزمن ولاسيما بعد بروز شهرته الفقهية إذ ترك نظم الشعر تماماً''.
وسألته مجدداً عن الشباب واهتمامات الشيخ - رحمه الله - بهم؟
فقال: ''لا أعتقد أن هناك مرجعاً من المراجع كان يعطي للشباب من وقته وعنايته ما أعطاه الشيخ للشباب ويبدو ذلك واضحاً في كتابه ''من أشعة القرآن'' في أجزائه الثلاثة، وفي كتابه ''إلى الطليعة المؤمنة'' وهو مجموعة من الرسائل المخصصة للشباب ومعالجة مشكلاتهم، ومحاولة تربيتهم الذاتية والأخذ بأيديهم من خلال رهافة العاطفة واستلهام المشاعر، إلى أفق المعرفة الإسلامية والاستمساك بهدف القرآن والرسالة، كما كان يبدو ذلك واضحاً في رواد مجلسه في أيام مرجعيته على رغم قسوة الظروف التي مني بها المراجع ومني بها الشباب الذين يتصلون برجال الدين، ومن هنا استحق لقب ''أستاذ الجيل'' أو ''مربي الجيل'' كما حلى لبعضهم أن يطلق عليه.


اضطلاعه بالمرجعية

عاودت الكرة مجدداً ونقبت فيما كُتب عن الشيخ، فطالعت كلاماً لأحد العارفين به يقول فيه:''إن الشيخ حين رأى أنّ المرحلة التي كان يكتب بها لإغناء المكتبة الإسلامية قد انتهت، وأنّه لم يعد - بحكم الحال والسن - ينشط لها، وأنّ الظرف يتطلَّب اضطلاعه بالمرجعية الفقهية. فتقدَّم الشيخ لهذه المهمَّة، حيث طبعت بعض أجزاء رسالته العملية الموسوعية ( كلمة التقوى، والتي بلغت بمجملها تسعة أجزاء، واتسمت بالوضوح والسلاسة وسعة المسائل، بشكل لم يسبق له نظير في الرسائل العلمية المعروفة''.
ومن ثم سألت الشيخ ضياء الدين عن كيفية ممارسة الشيخ محمد أمين زين لهذه المرجعية فأجابني بقوله: ''لا أعتقد أنني قادر على تقديم إجابة كافية عن هذا السؤال، لأن ممارسة أي مرجع لمرجعيته تعتبر نتاجاً مباشراً لتفاعل الكثير من العوامل الشخصية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها المرجع، أو يعيش فيها الناس الذين يرجعون إليه، وكذلك الإمكانات الموضوعية التي تهيأت لتلك الممارسة.
ورغم أنه كان للشيخ رؤيته الخاصة في تطوير المهارات المرجعية، لتتناسب مع التقدم العلمي والحضاري الذي تعيش فيه الأمة، إلا أن ظروفاً معينة فرضتها السياسة على الأمة، ولاسيما في العراق، جعلته يتراجع عن أكثر توجهاته في هذا الإطار.. وهكذا فحين استوجبت منه ظروفاً معينة أن يتصدى للقيام بهذه المهمة، فرضت عليه تلك الظروف السياسية والاجتماعية القاسية، أن يحدد توجهاته ضمن مسارات معينة برز عليها طابع مواساة المجتمع، ومساعدته في اجتياز المحن التي يمر بها المؤمنون في العراق، الذي توالت عليه النكبات والشدائد بشكل لا يمكن لأحد أن يتعقل مجرياتها، إلا من يعيش في ذلك البلد، وحاول أن يدخل التطوير في الحوزة العلمية في النجف، وأن يؤسس امتحاناته في استحقاق الطالب لمساعدته الشهرية على أساس منهجي متكامل، يستطيع الطالب المجد أن ينال بغيته من العلم وفق جدول زمني محدد''.


إضاءات في سيرة الشيخ

بعد هذا اللقاء رجعت إلى سيرة الشيخ الجليل، فوقعت على كلمات كتبها - في موقعه الإلكتروني - من أحبوا هذا الرجل العظيم وتتلمذوا على يديه.. إنهم يذكرون »أن الشيخ زين الدين كان له اهتمامه في التركيز على إقامة حوزات علمية في كل بلد إسلامي يوجد به رجال دين فضلاء، حيث يمكنهم القيام بِعِبء تدريس المواد العلمية المطلوبة في الدراسات المنهجية في الحوزة، وعدم انتقال الطلاّب إلى الحوزات العلمية الكبرى في النجف أو غيرها، إلاّ بعد استكمال الاستفادة من العلماء الموجودين في تلك البلاد.
وكان يهدف من هذا إلى التجديد المستمر لمعلومات أولئك الفضلاء، وخبرتهم في تلك المواد الضرورية الأساسية لمُهمَّتِهم، وأدائهم لمسؤولياتهم في المجتمع، واستقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاّب الذين لا يمكنهم السفر إلى الحوزات العلمية الكبرى، بسبب الظروف المعيشية أو غيرها من الموانع، وإشاعة الثقافة الإسلامية الأصيلة في كل مكان يتواجد فيه مثل أولئك العلماء والطُلاَّب بشكل منهجي متكامل، فوجود الطلاّب بين ذويهم وأصدقائهم ممّا يدعوهم دائماً إلى طرح معلوماتهم في المجتمع بكل وسيلة يستطيعون فيها ذلك، وعدم تأثر الدراسات العلمية بالظروف الاجتماعية والسياسية العامّة، التي لها أثرها الكبير في سفر الطلاّب وإقامتهم في الأقطار التي فيها الحوزات العلمية الكبيرة.
وذكر أيضاً أن الشيخ كانت له مشاريعه الخيرية، حيث كان لشعوره بما مُنِي به أبناؤه المؤمنون من شَظَف العيش، وعوامل الفقر، ولاسِيَّما ما أصيب به الناس في العراق نتيجة الحصار، أَثَر عميق في نفسه، كعاطفة أبوية، وكمسؤولية إسلامية معاً، وممّا يعرفه ذوو العلاقة القريبة به أنّه خفض مستوى معيشة بيتهِ، ومصاريفه اليومية الخاصّة إلى المستوى الأدنى، مِمَّا لم يألفه في الأوضاع العادية، ليس من حاجة، بل من شعور أخلاقي وديني تَفرضه المرحلة على مثله.
ولهذا فقد أوعز إلى وكلائه في خارج العراق خاصَّة بالعناية بالفقراء في بلادهم بقدر الإمكان، وإرسال مقدار ممّا يستلمونه من الحق الشرعي إليه، لمساعدة الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف، والعوائل المحتاجة في العراق.


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33141 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟