الرئيسية السيرة الذاتية المؤلفات المحاضرات صور تنزيل بحث

 

الزواج وتيسيره في الإسلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجاً وجعل بيننا مودة ورحمة والصلاة والسلام على من بعثة الله رحمة للعالمين واصطفاه منجاة للخلق أجمعين محمد وآله المطهرين).

(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).

السلام عليكم أيها الاخوة الإجلاء والأبناء النجباء :
تلقيت بيد من الشكر والامتنان دعوة الأبناء الأعزاء في الصندوق الخيري في كرزكان للتحدث معكم في هذه الندوة حول موضوع الزواج والترغيب فيه من جهة، والوقوف عند بعض المعوقات التي تمنع الشباب من الدخول فيه سواء كانت هذه المعوقات شخصية أو اجتماعية.
وبعد التفكير ليس بالقصير في الموضوع عزمت على الاعتذار عن تلبية هذه الدعوة الكريمة.

فبالرغم مما أشاهده لدى الأبناء النجباء القائمين على هذه الندوة من تحمس لأقامتها..وبالرغم مما بذلوه من جهود لإنجاحها، وبالرغم مما المس من توجه عام لدى المجتمع حول هذا الموضوع الحساس وبالأخص الشباب المؤمن ورغبتهم في معالجة هذه المشكلة التي أخذت تتفاقم في المجتمع حتى أصبحت من أثقل الكوابيس على صدور الناس وبالأخص شبابنا وفتياتنا الذين يرغبون في تجاوز هذه العقبة الكاداء والدخول في باب الزوجية في الوقت الذي اخذ هذا الباب يضيق في وجوه معظمهم..حيث لا يجد في ذات يده شيئاً من المتطلبات الكافية لاجتياز هذا الباب.
بل ولئن ساعد الحظ بعضهم فإنما يكون ذلك بعد جهود مضنية وديون ثقيلة تطبق عليهم الخناق وتبهض القوى مديد من السنين.

نعم (أيها الأحبة) رغبت في الاعتذار عن هذه الدعوة لأن المشكلة التي يراد التحدث فيها أكبر من الجميع وإن كان الجميع هم المسئولين عن نشأتها وتفاقمها وخروجها عن حدود قدرات المصلحين الاجتماعيين.

ولهذا فإن مجرد اجتماع سريع كهذا الذي نحن فيه لا يمكن أن يكون حلاً لها، بل مثل هذا الاجتماع في الحقيقة ليس إلا إثارة لجراح عميقة هي أكبر وأعمق من أن يلتفت إليها معظمنا.

نعم فالقضية ليست مشكلة اجتماعية تقف في حدود دائرة العلاقات الاجتماعية أو تمس الحياة الفعلية لأبناء المجتمع حتى يمكن لمن يتجاوزها ويدخل الحياة الزوجية أن يعتبر نفسه ناجياً من سلبياتها .

لا.لا أيها الأحبة بل المشكلة قبل هذا مشكلة علاقتنا بديننا الذي أولى العلاقة الزوجية عناية خاصة وجعلها من القدسية والسهولة واليسر بدرجة أي حكم شرعي آخر. وهي بالنهاية مشكلة علاقتنا بالله العظيم خالق الذكر والأنثى. ومُنزل الدّين الحنيف لتقويم حياتها.

وهذه النقطة بالذات هي التي جعلتني ألبي هذه الدعوة الكريمة وأقف بينكم هذا الموقف السريع نعم فالمسؤولية أكبر من ينظر إليها المؤمن نظرة المتفرج ثم يدير رأسه وكان الأمر لا يعنيه وإن استطاع إن يلج عالم الزوجية من عدة أبواب.

وليجد كل منا الشجاعة في الاعتراف بأنه طرف في هذه المشكلة وفي تفاقمها، فالأب من جانبه والأم والشاب والفتاة والعرف والتقاليد الاجتماعية الجائرة، ووسائل الأعلام..فالجميع يتحمل المسؤولية بمقدار انحراف نظرته عن حدود الله في هذا الجانب..

ولنعلم أن هذا الاعتراف يعتبر أول رصيد من أرصدة التشخيص لمواطن هذا الداء في المجتمع وكل منا يعلم أن تشخيص الداء هو الأساس في وصف الدواء ومن ثم تحقيق الشفاء.

ثم لنلزم أنفسنا بالاستجابة لأمر الله واتباع حجته والانقياد لهدي أهل البيت المطهرين(ع) في هذه العلاقة المقّدسة وإن وجدناها بعيدة عن رغباتنا وأهوائنا، ومخالفة لأحكام عواطفنا، فذلك الالتزام والاستجابة والإتباع هي الأساس الذي يعتمد عليه الإصلاح المطلوب في هذا الجانب كما هو الأمر في غيره من الجوانب..أفهل يتحقق منا ذلك؟..
لا أعتقد أن الإجابة ستكون بالإيجاب.

(نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، ووعى كلمة الهدى فاسترشدها في حياته ونال من رضا الله بغيته أنه سميع مجيب).


أيها الأحبة :

الحديث في مشكلة الزواج يمكن أن يكون من خلال مسارين اثنين لكل منهما أصوله ولكل منهما طريقته، وإن كانا في النهاية يلتقيان عند بيان كلمة الإسلام في بيان أبعاد هذه الضرورة الاجتماعية المهمة .

ولأن الحديث في كل واحد من المسارين من الطول قد يستوعب الوقت كله رأيت أن أختزل الموضوع وأتناوله فقط ضمن إشارات سريعة وأرجو أن لا أثقل عليكم وأرجو من الله أن يوفقنا جميعاً لاستماع كلمة الله واتباع هداها أنه أرحم الراحمين.

أما الحديث في المسار الأول : وهو ما ينبغي للمؤمن أن يسلكه في هذه المسألة..
حيث يعنيه انتظار المؤمن لكلمة الإسلام في موضوع الزواج من أجل التصديق بها والاستجابة لها ثم اتباعها دون تدخّل لأي من الذاتيات الإنسانية والعواطف الشخصية والأعراف الاجتماعية التي تنحرف بتلك الاستجابة وذلك التصديق عن طريقهما الصحيح المستقيم..

فالمؤمن لا يركن لغير الله (سبحانه) ولا يستجيب لغير كلمته، ولا ينقاد لسوى حجته لان الخضوع لغير الله خروج ولا ريب عن استقامة الطريق وهدى الإيمان.
( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).

( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ).

( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ).

وهذا يعني أن المؤمن الحق هو من يرى أن إيمانه بالله هو عنوان وجوده وأن طاعة الله وطاعة ورسوله والمصطفين من آله هو مساره الصحيح في حياته بالرغم من دعاوى الباطل وبهارج الضلال وأهواء النفوس وأعراف المجتمعات المنحرفة.

أيها الأحبة :
وكلمة الإسلام في موضوع الزواج أجلى من أن يدعي أحد من المسلمين أنها خفية عليه..وصوت القرآن والحجة الإلهية أعلى من أن يدعي ذو بصيرة أنه لم يسمعه، ومعالمها أقرب من أن يزعم أنها بعيدة عنه فالآيات الواردة في الزواج والحث عليه والروايات الداعية إليه أكثر وأوضح من أن يغفلها غافل إذ هناك من النصوص ما يحث المؤمنين على الزواج..وما يحثهم على تسهيل مؤنته وبيان طرق اختيار شريك الحياة وتقويم الحياة الزوجية وبناء البيت المسلم وهكذا الوقوف أمام الأهواء والعواطف التي تحول دون تحقيق الزواج. نعم فالإسلام لم يترك جانباً من جوانب هذا الموضوع مهملاً لم يجعل له حداً من الحدود التي تنطمس.
وكنماذج على هذا نشير إلى بعض الأمور المهمة فيه وأحكامها وتعاليم الإسلام فيها :

 أن الإسلام يرى ضرورة الزواج بمجرد أن يجد الإنسان المؤمن حاجة إليه جسدياً ومادياً ونفسياً دون فرق بين الرجل والمرأة ولا ينبغي لأحد أن يتعالى على هذه الضرورة أو يكبتها في نفسه إذ الإسلام ليس دين رهبانية أو تبتل، بالمعنى المعروف لهاتين الكلمتين في الأديان الأخرى.

فعن الرسول(ص): ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم غداً يوم القيامة حتى أن السقط يجئ محبنطئاً على باب الجنة فيقال له أدخل الجنة، فيقول: لا..حتى يدخل أبواي الجنة قبلي).
ويقول : (من تزوج أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر، أو الباقي).

وعن أبي عبدالله الصادق(ع) قال :( جاء رجل إلى أبي الباقر(ع) فقال له : هل لك من زوجة؟ قال: لا فقال أبي(ع) : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني بت ليلة وليست لي من زوجة ثم قال الركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره. ثم أعطاه أبي سبعة دنانير ثم قال تزوج بهذه. ثم قال أبي(ع) قال رسول الله(ص) اتخذوا الأهل انه أرزق لكم.
وعن الرسول(ص) : أكثر أهل النار العزاب.

ويذكر الفقهاء أن حكم الزواج يبقى هو الاستحباب مادامت الضرورة لم تبلغ بالإنسان إلى درجة الضرر الجسدي والنفسي وما لم يصل إلحاحها عليه إلى درجة الوقوع في المحرم أما إذا بلغت ذلك فالحكم هو الوجوب .





 الضوابط الإسلامية العامة في اختيار الزوج لزوجته واختيار الزوجة لزوجها..

أولاً : أن على الزوج أن يختار من النساء من عهد لها دين وعفة وكرامة محتد.. ففي الحديث : ( فإنما المرأة قلادة فانظر ما تتقلد ).

وعن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبدالله(ع) : أن صاحبتي هلكت وكانت لي موافقة وقد هممت أن أتزوج. فقال لي: أنظر أين تضع نفسك ومن تشركه مالك وتطلعه على دينك وسرك، فإن كنت لابد فاعلاً فبكراً تنسب إلى الخير وإلى حسن الخلق. وهن ثلاث :

• فامرأة بكر ولود ودود تعين زوجها على دهره لدنياه وآخرته ولا تعين الدهر عليه.
• وامرأة عقيم لا ذات جمال ولا خلق،ولا تعين زوجها على خير.
• وامرأة صخّابة ولاّجة همّازة تستقلّ الكثير ولا تقبل اليسير.

وعن النبي(ص) : ( اختاروا لنطفكم فإن الخال أحد الضجيعين ).

وعن الصادق(ع) : إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وكل إلى ذلك وإذا تزوجها لدينها رزقه الله المال والجمال.

ثانياً : أن على الزوجة وذوي الزوجة أن يختاروا للبنت من رضي دينه وأخلاقه. فعن الرسول(ص) : ( إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، وإن لا تفعلوه تكن في الأرض فتنة وفساد كبير).

وعن النبي(ص): أنه صعد المنبر ذات يوم، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن جبرائيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجن أفسدته الشمس ونثرته الرياح وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر. فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله فمن نزوج ؟ فقال (ص) : الأكفاء فقال : ومن الأكفاء ؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض.

 تسهيل الإسلام لعملية الزواج :

فبعد أن نعرف أن إتمام عملية الزواج هي الغاية الإسلامية الأولى فطبيعي أن تصبح هذه الغاية وحدها هي مركز النظرية الإسلامية حول الزواج.

ومن مستلزمات هذه الغاية :
أولاً : تسهيل عملية الزواج بكل ما تعنيه السهولة من معنى. ولهذا فلا ينبغي أن يقف غلاء المهور أو مستلزمات الزواج الأخرى عائقاً دون إتمام هذه العملية، ففي الحديث ( لا تغالوا بمهور النساء فتكون عدواه ) و ( أما المرأة فشؤمها غلاء مهرها )..

وعن الصادق (ع) : ( أن علياً(ع) تزوج فاطمة(ع) على جرد برد ودرع وفراش كان من إهاب كبش ) .

وعن أبي جعفر الباقر(ع) قال :

( جاءت امرأة إلى النبي(ص) فقالت زوجني. فقال رسول الله(ص) : من لهذه ؟ فقام رجل فقال أنا يا رسول الله.. زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال ما لي شيء. قال: لا، فأعادت فأعاد رسول الله(ص) الكلام فلم يقم أحد غير الرجل. ثم أعادت فقال رسول الله(ص) في المرة الثالثة : أتحسن من القرآن شيئاً ؟ فقال: نعم، قال : قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه.

وعن أبي الحسن الكاظم(ع) قال : كان الرجل عند رسول الله(ص) يتزوج المرأة على سورة من القرآن والدرهم والقبضة من الحنطة..
وحتى وليمة العرس والتي هي من المستحبات فينبغي أن لا تتعدى اليوم الواحد أو اليومين وما زاد على ذلك فهي رياء وسمعة..

( قال رسول الله "ص" الوليمة أول يوم حق والثاني معروف وما زاد رياء وسمعة).

ثانياً : استهانة الإسلام بكل الاعتبارات الاجتماعية التي تخالف رسالته في الحياة وتأكيده الدائم على أن لا يقف أي منها في سبيل إتمام هذه العقدة المقدسة..ولهذا فهو يدعو إلى عدم الخضوع للمكانة الاجتماعية أو القومية أو الشكل الخارجي أو الغنى أو الأعراف الاجتماعية التي يمكن أن تعيق هذه العلاقة المقدسة ويدعو الجميع إلى الارتفاع بالنظر إلى حيث يريده من تكامل الحياة ونيل رضا الله تعالى..

ولعل قراءة متأنية في الحديث التالي تكفينا في كل معرفة موقف الإسلام من هذه الأمور : فعن أبي حمزة الثمالي(ره) قال : ( كنت عند أبي جعفر(ع) فقال له رجل : إني خطبت إلى مولاك فلان بن أبي رافع ابنته فلانة فردني ورغب عني وازدراني لدمامتي وحاجتي وغربتي..

فقال أبو جعفر(ع) أذهب فأنت رسولي إليه فقل له : يقول لك محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زوج منجح بن رياح مولاي بنتك فلانة ولا ترده..

ثم قال ابو جعفر "ع" :

إن رجلاً كان من أهل اليمامة يقال له جويبر أتى رسول الله"ص" منتجعاً للإسلام فأسلم وحسن إسلامه وكان رجلاً قصيراً دميماً محتاجاً عارياً وكان من قبّاح السودان (إلى أن قال) : وأن رسول الله(ص) نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة له ورقّة عليه فقال له يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك.
فقال جويبر : يا رسول الله بأبي أنت وأمي من يرغب فيّ ؟ فو الله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال، فأي امرأة ترغب فيّ ؟
فقال له رسول الله(ص) : يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً وشرّف بالإسلام، ومن كان في الجاهلية ذليلاً وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها، فالناس اليوم كلهم، أبيضهم وأسودهم وقرشيهم وعربّيهم وعجميّهم من آدم، وآدم خلقه الله من طين. وأن أحب الناس إلى الله(تعالى) أطوعهم له وأتقاهم. وما أعلم " يا جويبر " لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلاً إلا من كان أتقى لله وأطوع..ثم قال له : أنطلق ياجويبر إلى زياد بن ليد فإنه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم، فقل له، إني رسول رسول الله (ص) إليك وهو يقول لك : زوج جويبراً ابنتك الدلفاء.

وحين يمتنع في البداية تقول له ابنته سبحان الله!، يقول لك بإنه رسول، رسول الله"ص" وتمتنع.وأخيراً زوجه إياها بعدما راجع رسول الله(ص) فقال له : يا زياد، جويبر مؤمن والمؤمن كفء المؤمنة والمسلم كفء المسلمة.فزوجة يا زياد ولا ترغب عنه..

أيها الأحبة :

أما بعد إتمام عملية الزواج فقد أجملت الآية الكريمة طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة إذ يقول (تعالى): ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ).
والمعروف هنا: هو كل ما حدده التشريع من حقوق وواجبات يجب أن لا يحيد كل من الزوجين عنها. أما الدرجة التي جعلت للأزواج على الزوجات فهي من أجل أن يمضي البيت المسلم موحد القيادة موحد الاتجاه في سبيل تحقيق المثل الأعلى للمجتمع المسلم في هذه الشريحة المباركة، لا من أجل الاستغلال والتسلط كما يحاول البعض يدّعي.

وهاهو الرسول"ص" ينادي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). وينادي كذلك ( ملعون ملعون من ضيع من يعول ).

واقف في المسار الأول عند هذا المقدار، وهنا أتساءل ؟
من منا لم يسمع أو يقرأ ولو بعض هذه النصوص المباركة ؟
ومن منا استقام معها في خطواته في هذا المجال استقامة مطلقة في ذات نفسه وفي علاقاته مع الآخرين أو حينما يستنصح في تزوج أحد.
هنا يبرز الخلل، وهنا تظهر المفارقة بين الكلام والواقع من أمورنا..

أيها الأحبة : أما المسار الثاني وهو دراسة المشكلة من خلال الواقع الموضوعي القائم والذي يعيشه المجتمع وملاحظة الأسباب العامة والخاصة العائقة دون إتمام العلاقة الزوجية بالشكل أو السهولة التي يريدها الإسلام فأعتذر عن تقديمه بالرغم من أنني شرعت منذ الأسبوع الماضي بالطلب من الأبناء والبنات في أن يكتبوا لي الأسباب التي لمسوها بأنفسهم من تلك العوائق.. ومع أنني.. ومع كل الأسف لم أستلم من الأبناء الشباب شيئاً في هذا المجال إلا أن ما وصل إلي من البنات العزيزات كان جيداً ووافياً في تلخيص الكثير من تلك العوائق كما يعيشنها هنّ ولكن لأن الوقت ضيق رأيت أن لا أذكر شيئاً منها الآن، ولعل الفرصة تسنح في وقت آخر لرؤيتها ومعرفة طبيعة الحكم الإسلامي في كل منها ومن الله نستمد التوفيق والعون.

وأخيراً رأيت أن أختم حديثي هذا بقراءة مقطوعة من رسالة إحدى البنات التي لا أعرف أسمها ولا عائلتها لأنها كما شرطت خاليه من التوقيع، وهي كما أراها صرخة مدوية في وجه المجتمع وتعارفاته التي وقفت عائقاً أمام هذا الرعيل الكبير من بناتنا وأبنائنا الذين حالت الظروف دون زواجهم، تقول هذه البنت وبأسلوبها الخاص :

(( إنني وصلت إلى مرحلة من عمري يسميني البعض عانس، وحينما أسمع هذا الاسم يقع على رأسي وقع الصاعقة وأحاول أن أخفف من تأثيره عليّ بالانغماس في أعمال البيت وفي أكثر الأحيان لا يفيد.. أنتظر حتى آوي إلى فراشي في غرفتي وما أن ينام ابن أخي الذي يشاركني النوم في الغرفة حتى أجهش في بكاء عميق لأشعر أنه يخرج أحشائي إلى الخارج من فمي بعدها فقط أشعر بالراحة لأنام وأستيقظ في اليوم الثاني لأواصل حياتي الروتينية التي مللتها.. والآن طلبت أنت منا أن نكتب لك وهاأنا أكتب إليك هذه الرسالة لأقول لك إن ذنبي برقبة أمي التي كانت ترد من يخطبني بأنني صغيرة وهي لا تريد فراقي مع العلم أن هناك الكثيرات من الفتيات التي دخلن مرحلة العنوسة والسبب هم الأباء والأمهات. وأنا بدوري أقول لك باسمهن جميعاً..إننا نريد أن نتزوج، نريد أن نرى أطفالاً لنا يدرجون ويقولون لنا ماما).
فهل تستطيع أن تحل مشكلتنا ؟. لا نعتقد )) !!

وأنا أقول بدوري لهذه البنت الفاضلة ولجميع البنات التي تنطق باسمهن إن أمركن وأمري أنا إلى الله تعالى فلا أستطيع إلا أن أضع عبارتكِ هذه بين يدي الآباء والأمهات عسى أن تستيقظ الضمائر، (( ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.)).




والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



ضياء الدين زين الدين

محاضرة ألقاها (( ضياء الدين زين الدين ))
بتاريخ الأحد 5/8/2001م
في مأتم كرزكان // البحرين
كرزكان // البحريـن
 

 

 موقع سماحة المفكر الإسلامي الشيخ ضياء الدين زين الدين (حفظه الله)

جميع الحقوق محفوظة © 2005 م

 dheia.zaineddeen.net