الباب الثاني : مسؤولية الزوجة في البيت المسلم
: الفصل الثاني :
حُسنُ التبعُّل
أما الفقرة الثانية من الحديث الشريف ، فهي قوله ( ع ) : (حسن التبعّل).
فهو من المرأة – أولاً – تبعّل ، والتبعّل في اللغة : إطاعة المرأة لبعلها –كما في
كتاب (تاج العروس)– ، والبعل هو الزوج ، لما له من استعلاء على الزوجة ..
فبهذا التبعّل تحقق المرأة طاعتها لبعلها ، وانضوائها تحت كنفه ، واستظلالها بظله ،
والانقياد لقيادته .
وأنه –ثانياً– حسن تبعّل ، يجري منها بأسمى ما تستطيعه من سلاسة ويسر ، تملأ به
حياتها ، وحياة زوجها وأسرتها بالسعادة والهناء ، وسلامة العلاقات ، ونقاء العشرة
عن كلّ ما يعكّر صفوها ، من عوامل الخلاف ، والتصلّب والانحراف .
إذن ، فحسن التبعّل من المرأة عمل اختياري محض ، يتأتى من المرأة في إدراكها
لمسؤولياتها ، وارتفاعها إلى المستويات العليا ، التي أرادها الإسلام لها من اتّباع
كلمة الله (تعالى) ، والانقياد لأمره ونهيه ..
إنها المؤمنة ، الملتزمة بدينها ، المطيعة لمولاها ، وبارىء وجودها ، المنقادة
لتعاليم رسالتها ، العليمة بطبيعة الوفاء بدورها ، والقيام بمسؤولياتها الكبرى تجاه
نفسها ، وتجاه زوجها ، وتجاه كل فرد من أفراد أسرتها ، بل وتجاه مجتمعها الفاضل
السامي ، حيث تسعى -مع زوجها- لأن تجعل من علقتهما المباركة بعض مظاهر حكمة الله
(تعالى) فيها ، ومشعلاً منيراً بين جميع العلاقات الزوجية ، الواردة في مختلف
الأديان والمذاهب الأخرى التي تملأ الساحة الإنسانية .
وهي تعلم ان ليس عليها في هذه العلاقة المباركة قهر ، وليس عليها شطط أو حيف ، من
زوجها أو من غيره .. فمن (المعروف) بدأت حدودها ، وإليه تنتهي ، وفي سبيله تمضي ،
وهي حدود واضحة المعالم ، بينة الطرائق ، لا غموض فيها ، ولا افتعال .
أما حيث ترى من زوجها ما لا ترتضيه في دينها ، وما يخالف أمر ربها ، أو ما يخالف
المعروف في سيرته معها ، فإن هناك –وكما أشرت من قبل– ما تستطيع به ان تعيد الأمور
إلى مجاريها ، وتكبح جماح زوجها ، وإلا كان لها مندوحة بالانفصال عنه ، والله
–سبحانه– هو الرقيب الحسيب ..
نعم .. إنها مسلمة مؤمنة ، وإنها عاقلة ..
فهي –بحكم إيمانها– تعلم بأن الإسلام هو دين الحياة ، وأن له في كل صعيد من أصعدتها
حكمه ، وله كلمته الواضحة ، وان له في كل جانب من جوانبها مناهجه القويمة ، ونظمه
التي يستكمل بها وحدة تلك الحياة ، واستقامتها ، وتحقيق غايات الله (تعالى) فيها .
وهي –بحكم عقلها ونضجها– تعي ان العاقل اللبيب لا يسلك سبيلاً قبل أن يستجمع من
دلائل الهدى فيه ما يبلغه إلى غاياته ، وأنه لا يمضي في أمر حتى يعلم مصدره ومورده
، وفي مقابل هذا يدرك أن في الحياة مصاعب جمة ، تحتاج إلى التضحية والتعاون ، وأن
فيها ظروفاً قد تستوجب بذل مزيد من المعاناة والجهد ، بل وبذل الغالي والنفيس من
أجل تجاوزها ، والهيمنة عليها .
وهي تعلم ان للإسلام من دلائل هداه في الحياة الزوجية خاصة ، -وكما هو الشأن في
جوانب الحياة الأخرى- ما لا يرقى إلى سموه دلائل دين من الأديان الأخرى ، أو مذهب
من المذاهب سواه ، وله أنظمته وتعاليمه ، التي يمنهج بها هذه العلقة المباركة كما
فطر عليه التكوين الإنساني ، في كل من المرأة والرجل على حد سواء ، ليضع كل طرف من
أطرافها في موقعه المناسب ، ويشرع له من الحقوق والواجبات ما تستقيم به حياتهما تلك
، وتمضي به في سبيلها الرشيد ، نحو غاياتها السامية ، دون أدنى تلكؤ ، أو انحراف ،
ما دام كل طرف مستقيماً في اتجاهه معها ، جاداً في الوفاء بمسؤولياته فيها ،
منتظماً في حدوده الإلهية التي رسمها الشارع له .
حسن التبعّل والغايات الإلهية الكبرى
وهنا –ونحن بصدد الحديث في هذه النواحي– لابد لنا من الالتفات إلى الغايات
الإلهية الكبرى ، التي يطمح الإسلام إلى تحقيقها في أبنائه ، ومتبعي نهجه القويم ..
وهي غايات لا أخال القارئ الكريم بعيداً عنها كل البعد ، ولا سيما بعد هذه المسيرة
من الحديث .
فقد قلنا : إن الإسلام هو دين الفطرة ، وإنه الصبغة التي جبل عليها الإنسان ..
والفطرة هي من خلق الله (عزّ وجلّ) ومظهر من مظاهر حكمته ، ومجلى من مجالي تدبيره
للأشياء ، فمن الطبيعي ان يتجلّى فيها من الكمال الإلهي ما شاءته تلك الحكمة ،
وأرادته فيها ، حيث يستحيل صدور النقص والقصور من القادر الكامل ، لمناسبة العلة
ومعلولها.
فمن البديهي أن يكون الإسلام ، هو رائد ذلك الكمال في قيمه ومثله ، وسبيله في
مناهجه وأحكامه ، وكل هذا مما لا ريب فيه ، بحسب المقدمات والنتائج التي ألمحنا
إليها في سابق الحديث .
فمن الطبيعي -حينئذ- ان يتجلى هذا الكمال والسمو والجلال في المؤمن ، وهو يتبع أمر
الله ونهيه ، ويستجيب لهداه ودعوته ، ومن الطبيعي حينئذ ان يتميز هذا المؤمن عن
غيره من متبعي الديانات والمذاهب الأخرى ، كفرد ، وكمجتمع ، وكنوع ، في أي صعيد من
أصعدة التعامل البشري ..
والبيت المؤمن لا يخرج –بدوره– عن هذه القاعدة .
فمع أن المناهج والأحكام ، وحدود العلاقات التي شرعها الله (تعالى) في دينه القويم
لأفراد هذا البيت ، وللزوجين منهم –بالخصوص–، كافية للأخذ بزمامه ، إلى حيث استقامة
الحياة ، وانتظام شملها ، وتكامل مسؤولياتها وعطائها ..
الا أن الغايات الرفيعة لحكمة الله (سبحانه) في هذا البيت المبارك ، لا تقف عند هذه
الحدود ، وإن كانت –بدورها– من الرفعة والانتظام بدرجة يعجز عن تحقيقها مذهب ، أو
دين آخر سوى الإسلام .
فالبيت المسلم –كما يريده هذا الدين العظيم– هو المشعل الوضاء ، الذي تطمح إليه
بصائر البشرية ، في هذه الوحدة الإجتماعية المهمة .
وهو يريده نموذجاً شامخاً في الهناء والسعادة ، والرفعة والواقعية ، تشتاق إليه
النفوس والعقول ، وهي تضع برامجها في هذه اللبنة الأولى من البناء الإجتماعي العتيد
.
ولا شك ان هذه الغايات الرفيعة ، أسمى من أن تتحقق في حدود تلك المناهج ، ذات السبل
السلوكية الظاهرة ، دون أن يكون لها من الأسس العميقة والشاملة في كيان كل واحد من
أطراف هذا البيت ، لتنعكس من خلال تلك الأعماق على جميع جوانبه –أولاً- ومن ثم على
جميع آفاق الحياة .
والحديث المتقدم يجعل (حسن التبعّل) ، هو القاعدة التي يركن إليها هذا البيت المؤمن
للوصول إلى تلك الغايات من جهة المرأة ودورها فيه .
وهذا هو موطن الإعجاز في هذا التعبير العظيم ..
فـ (حسن التبعّل) من المرأة ، يعني أنه المدى الأرفع ، وقمة الامتثال ، والانقياد
منها لأحكام الله (تعالى) ، واتّباعها لنهجه ، من أجل تحقيق تلك الغايات في بيتها .
.. إنه الطريقة المثلى ، التي تستطيع بها المرأة أن تحقق شد الأواصر التي تُحكم
العلاقات في عائلتها ، وتناغم العواطف في محيط أسرتها ..
.. وإنه السبيل القويم ، الذي توحد به المؤمنة المسيرة النفسية والسلوكية في محيطها
، تمهيداً للسير نحو تلك الأهداف العليا ، التي ينبغي أن لا تغيب عن بال أحد من
المؤمنين بحال من الأحوال .
فـ (حسن التبعّل) يعني –فيما يعنيه– ضرورة أن توفي المرأة لبعلها كل ما تطمح إليه
نفسه منها ، في ملء فكره ، وعاطفته ، وذوقه ، من محاسنها الشخصية كافة ..
..محاسنها في استقامة السلوك ، وفي المظهر الخارجي ، وفي سموّ الأخلاق ، و في
الكفاءة في إدارة البيت ، وفي تربية الأبناء ، وقبل كل هذا في انقيادها لأمر الله
ونهيه ، فجميع هذه الأمور –وأشباهها- مما يطمح إليه الزوج من زوجته ، التي توحدت
معها حياته ، ومضت في خط واحد متعاون المهمات ، متكامل الأهداف ، مشترك الخطى
والثمار .
و(حسن التبعّل) من المرأة ، يعني ضرورة أن تهيّئ لبيتها كل ما يحتاجه من الرعاية
والحنو ، وحسن الإعداد والتنظيم ، من أجل أن يصبح النموذج الرفيع للبيوت ، حيث ترنو
إليه البصائر ، وتطمح الأبصار .
و(حسن التبعّل) منها ، يعني –كذلك– أن تتكفل تربية أبنائها ، وتنمي شخصياتهم
المؤمنة ، وان تتعهّد -ومن خلال ما تملكه من عواطف نبيلة ، ومشاعر حساسة ، وإيمان
واع- بناء هذه الشخصيات ، كما يريده الله (تعالى) لهم ، وكما يستهدفه دينهم في
هدايته لهم ، وتزكيته لنفوسهم .
حسن التبعّل ميزان للتقوى
ثم ان اعتبار الإسلام للحسن في هذا التبعّل ، يعني –فيما يعنيه– ان هذا
الدين القويم يجعل من كمال المرأة ، وسموّها في تبعّلها لزوجها ، ميزاناً من موازين
كرامتها عند الله -سبحانه- في هذا الجانب ، وفضلها لديه .
أي أنه كلما كان وفاء المرأة بمسؤوليات الحياة الزوجية أكمل وأتمّ ، وكلما كانت
مواقفها أكثر إشراقاً على حياتها ، وحياة زوجها ، وأبنائها وأسرتها ، كانت المرأة
أقرب لامتثال أمر الله (تعالى) في هذا التبعّل ، وكانت أكرم لديه ، وأسمى شأناً ،
وهذه ناحية مهمة ، يجب على المرأة المؤمنة أن تلتفت إليها ، وهي تقوم بواجباتها فيه
..
فغايات دين الله –سبحانه– في حياة الإنسان ، -وكما نعلمه من بدائه الإسلام
وضرورياته الأولى- لا تقتصر في جانب من حياة الإنسان دون جانب ، ولا في أفق منها
دون أفق ، وإنما هي تستوعب حياة المجتمع ، وعلاقاته كافّة ، كما تستوعب حياة الفرد
وعلاقاته ايضاً ، سواء علاقته ببارئه ، أم بنفسه ، أم بالآخرين من بني نوعه ، أم
بما حوله من ظواهر ومظاهر الوجود .
ومن هنا نرى أن أحكام الإسلام ومناهجه قد استوعبت كل آفاق الحياة وجوانبها ، فكان
لله في كل واقعة حكمه -كما تشير إليه نصوص الإسلام-، وكان له في كل حادثة أمره
ونهيه ..
وهكذا أصبح كل أفق من آفاق حياة الإنسان ، وكل علاقة من علاقاته ، مجالاً لامتثاله
لأمر الله (تعالى)، ونهيه ، وأفقاً من آفاق تقوى الله وعبادته ، بمعنى أن كل أفق من
تلك الآفاق ، وكل علاقة من تلك العلاقات ، قد أصبح مضماراً للكرامة والفضل عند الله
-سبحانه -.
وتبعّل المرأة لزوجها -بكل ما فيه من اتّباع لأمره ، وخضوع لقوامته ، وتبذّل له
وتربية لأبنائها ، ورعايتها لبيتها ، وحنوّ على أسرتها ، وغير ذلك- لا يخرج عن هذا
الإطار أيضاً ، فإن لكل من هذه الأمور حدوده ، وأوامره ونواهيه ، ومناهجه القائمة
على (المعروف)، فمن الطبيعي –حينئذ– أن يصبح بعض موازين الكرامة ، والفضل والسمو
عند الله (سبحانه) .
وأقف في استلهام دلالات الحديث العظيم عند هذا المقدار ، فمع أن عطاءه لا يقف عند
هذه الحدود ، الا ان من غير الممكن ان نمضي معه أكثر من هذا ، فالموقف أضيق من أن
يسمح لنا بالمزيد .