الباب الأول : الحياة الزوجية في الإسلام
: الفصل الثالث :
قوامة الرجل على المرأة
النقطة الثالثة
مما ينبغي الوقوف عنده : هو ما تشير إليه الآية الثانية والثالثة من الآيات التي
أوردناها في التمهيد المتقدم وهما :
1- قوله (تعالى) : (وللرجال عليهن درجة) ..
2- قوله (عز وجل) : (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ، وبما
أنفقوا من أموالهم) .
فبينما جعلت الآية الاولى من هاتين الآيتين الكريمتين للرجال على النساء درجة،
بيّنت الآية الثانية أن هذه الدرجة انما هي القوامة ، والأخذ بزمام الاسرة وقيادتها
في ميادين الحياة نحو غاياتها المشتركة .. وهكذا ..
والسؤال الذي يبتدرنا هنا في البداية هو : الى أي اساس يغور هذا الاصل في العلاقة
بين الرجل والمرأة ؟ ، وعلى أي اصل من اصول تكوين كل من الرجل والمرأة يعتمد ؟ .
والاسباب التي توجب طرح هذا السؤال عدة ، يمكننا ان نذكر منها :
1- ما اشرنا اليه في احاديث سابقة من فطرية الاسلام في حقائقه واحكامه ، ومن
الطبيعي أن هذا مما يسوّغ لنا فهم الاساس الذي يعتمده الإسلام في اعتماد هذه
القوامة للرجل على المرأة .
2- ما جرى عليه المطالبون بحقوق المرأة -كما يقولون- من إثارة دعاوى ضد هذه القوامة
، واعتبارها من تراث الماضي القديم ، الذي لا يتناسب والتقدم الحضاري القائم ، الذي
هيّأ للكثير من النساء درجات -في العلم والمعرفة والمقامات الاجتماعية الأخرى- قد
تتجاوز الدرجات التي ينالها الكثير من الرجال ، وهذا مما يستوجب ان يكون للمرأة في
الأسرة دوراً مكافئاً لدور الرجل فيها -على الأقل-، ولا تجعل تبعاً للرجل على أي
حال .
3- ما أخذت به بعض النسوة من بريق دعاوى قائمة ومعروفة ، ولا سيما في أوساط
المجتمعات الغربية ، التي لها تأثيرها الكبير في المجتمعات الأخرى ، وهي ضرورة
استقلال المرأة عن الرجل ، وترك الاستظلال بكنفه ، لتحيا حياتها حرة طليقة ، دون
ارتباط برجل يقارب -في معناه- مفهوم العبودية والاستضعاف .. ليصبح هذا الإنطلاق
أساساً للتوجه نحو هدم كيان الأسرة ، أو -على الأقل- اعتبار عدم ضرورتها للإنسان ،
والحياة الإنسانية ..
وفي ملاحظة هذه النقطة الأخيرة ، يمكن القول بأن الواقع الإنساني هو خير من يجيب عن
أمثال هذه الدعاوى ، البعيدة عن ركائزه الفطرية ، وأصوله الغريزية ، والسلبيات
القاتلة التي تصاب بها تلك المجتمعات التي تنتشر بها مثل هذه الدعاوى ، هي الشاهد
الفعلي القائم لتصديق هذه الإجابة ، وهي غير بعيدة عن المتتبع .
أما في الإجابة عن السؤال المتقدم ، واختصاراً للحديث فيها ، فنحن لا نحاول -هنا-
إلا الوقوف عند البعد النفسي من أصول العلاقة التي تُحكم صلة ما بين الرجل والمرأة
، ومن خلال ما ذكره علم النفس الحديث فيها ، إذ ان تناول هذه المسألة من مختلف
جوانبها مما لا يمكننا بهذه السرعة .
وفي هذا المجال نقول :
ان مما لا شك فيه –وكما رأيناه في الفصل الأول– ان هناك توحداً فطرياً في البنية
الإنسانية في شتى مواقعها ، بدءاً من فردية الفرد ، وحتى الاتجاهات الحضارية العامة
، مروراً بمختلف الشرائح الإجتماعية والطائفية وغيرها ..
وعلى أساس مكين من هذا التوحد الفطري قامت وحدة النوع الإنساني في تاريخه الطويل ،
منذ مبدأ وجوده في هذه الأرض ، وحتى آخر فرد سيوجد منه عليها .
كما أن هناك منابع وأصولاً ذاتية في أعماق الإنسان يعتمدها هذا التوحد ، وهذه
الأصول هي التي يرتكز عليها في قيامه ، وفي توجيه مسيرة الإنسان ، وانتظام فاعلياته
.. سواء في أعماق النفس الإنسانية ، ام في الضرورات الاجتماعية وتكامل المواقع بين
أفراد المجتمع ، ام في التوجهات الإنسانية الكبرى للوصول إلى الكمال النوعي الأعلى
.
ومن هذه المنابع انبثقت مختلف التوجهات الأولية للوعي الإنساني في تصورات العقل ،
وغرائز النفس ، ودوافعها ، وانفعالاتها ، وعواطفها ..
وواضح انه بدون تلك المنابع وهذه التوجهات ، لا يمكن للإنسان ان يمضي في سبيله خطوة
، أو يحقق شيئاً مما رسمه الله (تعالى) له في هذه الحياة .
وكل هذه الجوانب لا تخفى حتى على الملاحظة الإنسانية العابرة ، كما انها -في الوقت
نفسه- مما أكدته العلوم الإنسانية عامة ، بل هي الأصول والمحاور التي اقيمت عليها
هذه العلوم نفسها ، وفي مختلف اختصاصاتها ، وآفاق دراساتها .
منابع الوحدة الإنسانية والأسرة
الأسرة هي اللبنة الأولى في تكوين بنية المجتمع .
إذن ، فمن الطبيعي ان تبرز فيها مختلف المنابع التي تنشأ منها أصول ذلك التوحد ، في
أبعاده وصوره المختلفة ، دون أدنى خلل أو انحراف .
ومن الطبيعي أيضاً أن تبرز تلك المنابع في العلاقة بين الرجل والمرأة خاصة، ولا
سيما في حياتهما الزوجية ، حيث تعتمد الأسرة في نشأتها الأولى ، إذ لابد ان تكون
لهذه العلاقة -بدورها- أصولها العميقة كذلك في كياني كل من الرجل والمرأة على حدّ
سواء ، من أجل الوفاء بضرورات التكامل في تلك اللبنة الإجتماعية الأولى ، حيث
تعتمدها سائر القطاعات ، والشرائح الاجتماعية الأخرى .
وهي -كما يرى القارىء الكريم- حلقات متصلة ، متتابعة ، متكاملة في وضوحها وجلائها ،
ويؤكدها الواقع الفعلي المشهود لكل من الرجل والمرأة على السواء .. لا في حدود
المنظور الديني أو الإسلامي وحده -كما قد يتصور البعض-، وإنما في مجال الرؤية
الإنسانية العامة ، ومجال الدراسات النفسية والإجتماعية كذلك .
الفاعلية في الرجل والانفعالية في
المرأة
وأول هذه الأصول في البعد النفسي لكل من الرجل والمرأة :
ما يتراءى في الرجل من إيجابية فاعلة ، وقدرة أكبر على اتخاذ القرار العقلاني
المنظم ، لتصبح هذه الإيجابية هي السمة الواضحة لعنصر الرجولة فيه ، مقابل قابلية
المرأة على الانفعالية ، وإسلام زمامها للرجل ، والاطمئنان في السير تحت كنفه ،
والاستظلال بقراره ، والاستجابة إلى إرادته ، لتكون هذه القابلية فيها سمة للعنصر
الأنثوي منها أيضاً .
وهذه حقيقة ملحوظة في أي علاقة تتراءى بين الرجل والمرأة ، لا في حدود الحياة
الزوجية الخاصة فحسب ، ولا في الحياة الزوجية بمفهومها وعلاقاتها الأعم ، بل في
العلاقات ذات الطابع الإنساني العام ، وإن لم تكن ضمن دائرة الحياة الأسرية ، كما
في مجال زمالة العمل -مثلاً-، و هي ناحية يدركها كل من الرجل والمرأة في رابطته
بالآخر ، مع غض النظر عما يتمتع به كل من الطرفين من ثقافة ، وسعة في الخبرة
والاستعداد العلمي ، إذ تلك الإيجابية في الرجل ، وهذه السلبية في المرأة أمران
دخيلان في كيانيهما النفسي ، بل وفي تكوينيهما البيولوجي والجسمي ، وهما صبغة عامة
في معظم الطاقات الشعورية والادراكية والانفعالية ، ولا يناقش في هذه الناحية أحد ،
وقد أكده دارسو الإنسان في مختلف الاختصاصات .
إذ يقول فرويد -أحد الباحثين النفسيين ، وصاحب (النظرية الجنسية المعروفة)- مثلاً :
(والمرأة أكثر خضوعاً لغرائزها وعاداتها من الرجل ، ولما كانت قد درجت على ان تجعل
للشجاعة والفتوة المقام في عينيها ، فإن رؤية الرجل الشجاع القوي لا تزال - حتى
الآن توقظ في نفس عدد كبير من النساء العواطف والرغبات الجنسية العنيفة ، بغضّ
النظر عن عيوبه ونقائصه الأخرى ، كما تبعث رؤية الرجل النذل الجبان إلى نفسها
شعوراً فياضاً بالكراهية والاشمئزاز .
(أما في عصرنا الحالي ، فقد تحول اهتمام المرأة بالرجل إلى تفوقه من الوجهة الذهنية
، ومع ذلك فإن أثر المحاسن الجسدية في اجتذاب المرأة ، وهياج عواطفها ، لا يزال
باقياً حتى الآن .. هذا بينما ينجذب الرجل العادي إلى كل امرأة صغيرة السن جميلة
الصورة ..
(أما غريزة الإنسال ، فإنها في المرأة أقوى كثيراً منها في الرجل ، وهي تتصل
برغبتها في الاستسلام والتضحية ، وبشعورها بسيادة الرجل عليها ، وإخضاعه لها ، وكل
هذه المطامح السلبية تكوّن جزءاً من العاطفة الجنسية الطبيعية في المرأة (1). ) .
كما يقول (شفارتس) في هذا المعنى -أيضاً- :
(وبالرغم من تماثل تكوين الطبيعة الإنسانية ومرونتها الاجتماعية ، فنحن مضطرون إلى
الاعتراف بأن مزاج الذكر يختلف اختلافاً أساسياً عن مزاج الأنثى ، وأنه من السهل
معرفة ذلك ، لأن لكل جنس وجوده الخاص به ، ويبدو هذا الاختلاف في الوجود في الميدان
البيولوجي ، كما نراه في الاختلاف بين الوظائف الجنسية بين عمليتي التلقيح والحمل
..(2)) .
وتلك الايجابية في الرجل ، وهذه السلبية لدى الأنثى ، لا تقتصر ملاحظتهما على
الزوجين في حياتهما الخاصة فحسب ، وإنما هي -وكما قلت- طابع عام ، يسم أي علاقة بين
أي فردين من الجنسين لها سمة الطابع الإنساني ، تلك السمة التي يمكن أن تبرز فيها
مميزات الرجولة في الرجل ، ومميزات الأنوثة في المرأة ، وتظهر فيهما هذه المميزات
على حقيقتها ، ما لم تتدخل فيها اعتبارات ثانوية ، تجعل الخصائص الطبيعية للجنسين
في موقع ثانوي ، وهو استثناء لا تنهض عليه قاعدة عامة.
ولأن الإيجابية جزء من طبيعة الرجل ، فهو يشعر بالنقص والدونية ، حين تصطدم هذه
الإيجابية ببعض المعوقات التي قد تقصر بها عن الفاعلية ، أو تستوجب كبتها ، أو
تجاوزها في بعض الحالات ، أو المواقف ، تجاه من يتصل بهن من النساء .
وكذلك المرأة من جانبها ، فإنها تشعر بعدم السعادة ، وعدم الرضا عن نفسها حين
تستلزم حالة تمر بها ، أو موقف يصدر منها ، تجاوز تلك السلبية الطبيعية فيها ، أو
الانفعالية إزاء الرجل الذي تعيش معه ، وهذه هي مشكلة ما يسمى -في العصر الحديث-
بالجنس الثالث .
وكما ان الرجل يحاول بوسيلة أو بأخرى -مشروعة ، أو غير مشروعة- ان يتدارك النقص
الذي يجده في نفسه جرّاء افتقاده لفاعليته الإيجابية مع المرأة ، إما بتبرير ما حصل
لرجولته من إهانة ، أو بافتعال مواقف تثبت له رجولته ، وتعيد إليه نوعاً من التوازن
النفسي -على الأقل-، وتمحو عنه آثار تلك الحالة الشاذة ، و -من ثم- اقناع نفسه
باسترجاع ما افتقدته من اعتبار ..
أقول : وكما ان الرجل يحاول ان يتدارك هذا النقص على نفسه ، فكذلك المرأة -من
جانبها- تسعى جاهدة إلى أن تتدارك على نفسها هذا النقص ، الذي تجده في نفسها ، عند
تجاوزها لطبيعتها الانثوية الانفعالية ، لكي تعيد إلى شخصيتها -من ثم- توازنها
النفسي ، الذي لا يستعاد الا بالانضمام إلى الرجل ، الذي تعتقد أنه أهل لأن تسلم
إليه زمامها ، وتعيش في كنفه آمنة مطمئنة.
ويقول (شفارتس) بهذا الصدد :
(هناك رجال ربما وجدوا .. ان النساء اللاتي يلقونهن عادة في المكاتب وفي المجتمعات
مخلوقات عادية جداً لا يحيطها أي غموض أو سرّ ، وسبب هذا الوهم هو ضيق النظر عندهم
، وربما كانت لديهم أسباب تحملهم على مثل هذا التفكير ، ونحن هنا في الواقع أمام
مظهر آخر من مظاهر وجود المرأة المزدوج .. ألا وهو التعارض بين أنوثتها وشخصيتها
العامة .
(وغالباً ما تلقى أنوثة عارمة عند امرأة بسيطة عادية ، وهذا أمر يجب أن يعترف به
عدد من الرجال بهذه المناسبة ، كما ان العكس ممكن أيضاً ، إذ يمكن أن تخفي شخصية
كبيرة حياة جنسية عنيفة ، فتبدو أفعال هذه المرأة وحركاتها بعيدة عن الفكرة التي
اشتهرت عنها ، ويمكن للمرأة أن تعفو عن كثير من الأشياء غير أنها تصبح عاجزة حين
تشعر أن أنوثتها قد أهينت : كأن لا يلاحظ الرجل مثلاً ، أو يتجاوز عمداً أنها
تشتهيه جنسياً ، أو أنها تضع على رأسها قبعة جديدة ..(1)).
ويقول فرويد حول هذه الظاهرة أيضاً :
(يؤثر شعور المرأة بأنها في حاجة إلى حماية زوجها –ولا نقول سيادته– على العواطف
المشعة من الحب تأثيراً كبيراً ، ولا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت
باحترامه ، وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام ، ويجب أن ترى فيه مثلها
الأعلى في ناحية من النواحي ، إما في القوة البدنية ، أو في الشجاعة ، أو في
التضحية وإنكار الذات ، أو في التفوق الذهني ، أو في أي صفة أخرى طيبة ، وإلا فإنه
سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها ، أو يفصل بينهما شعور من النفور والبرود وعدم
الإكتراث ، ما لم يصب الزوج بسوء أو مرض يثير عطفها ، ويجعل منها ممرضة تقوم على
تمريضه والعناية به .
(ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية ، لأن في ذلك مخالفة للحالة
الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته ، لتسوده هي بقلبها
وعاطفتها ) .
(وقد تشبع سيادة المرأة على الرجل عاطفة الغرور في نفسها ، ولكنها لا يمكن أن ترضي
قلبها .. ولا تجد المرأة –في مثل هذه الزيجات– الحب الذي كانت تنشده في حياتها ،
فإذا كانت من ذوات الخلق الضعيف فإنها تبحث عنه لعلها تجده في رجل آخر ، وأما إذا
كانت من ذوات الخلق القوي ، أو العاطفة الجنسية الباردة فسرعان ما يتحول شعورها إلى
ألم ومرارة ، وهذا الفريق من الناس غير قليل ، ويجب ان يخشى بأسه ، لأن مثل هذا
الحب الموروط كثيراً ما يستحيل كراهية شديدة ، أو إلى شعور بالحسد والغيرة ، وقد لا
يجد له منفساً إلا في عذاب الآخرين ..(1)).
وتأتي أهمية هذه الشواهد التي نذكرها ، لا بقيمتها العلمية الاستقرائية التي تدعى
لها، فهذا مما قد يناقش فيه ، ولا سيما مع ما هو معروف من تدخّل عوامل غير علمية في
الاستنتاج من الظواهر الإنسانية المدروسة ، ولكن تبرز أهميتها أكثر ، لأنها ترد
بأقلام قادة الثقافة النفسية الغربية ، التي وصلت المرأة فيها إلى درجة من
الاستقلال والتحرر عن إرادة الرجل ، و التحرر عن عامل الأخلاق ذات المنشأ الديني ،
لم تصلها غيرها من النساء في شتى بقاع العالم .
ولئن ركزت هذه الشواهد التي اقتبسناها على خصوص العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة
، فلأن البحوث التي وردت فيها هذه الشواهد ، إنما درست العلاقة بين الجنسين من خلال
هذه الزاوية خاصة ، وإن لم تعدم الإشارة إلى الزوايا الأخرى من العلاقة بين الجنسين
، إذ هي من باب واحد -كما هو المعلوم- في أي ملاحظة متأملة لهذه العلاقة .
ويجدر بنا أن نلتفت إلى بروز هاتين الصبغتين الذاتيتين ، في العلاقة بين الرجل
والمرأة ، إنما يتحقق من خلال شرائطهما الخاصة .
فهما –كأي استعداد فطري آخر في الإنسان– إنما يتحققان ويتكاملان من خلال العملية
النفسية ذات الطبيعة المعقدة ، والمتداخلة مع العديد من العوامل ، العقلية ،
والإجتماعية ، والتربوية والبيئية ، والإنفعالية ، وغيرها من الأصول والسبل ، التي
لها دورها في بلورة ذلك التحقق والتكامل ، فإن للتربية تأثيرها وللواقع مستلزماته
وللموقع الاجتماعي ضروراته وهكذا .
أما حيث لا يفسح لهما المجال المناسب ، فطبيعي ان يتخذا نحواً من السبل غير
المشروعة في التحقق لينعكسا -على كل من الرجل والمرأة- آثاراً سلبية ، أشار فرويد
إلى بعضها في النص المتقدم عنه .
تحقق فاعلية الرجل وانفعالية المرأة
وهنا نقطة مهمة يجب الالتفات إليها ، وهي أن وجود هذين الاستعدادين لدى
الجنسين ، لا يعني أن كل رجل مهيمن على كل امرأة ، وأن كل امرأة خاضعة لكل رجل ،
فهذا مما لا يمكن تصوّره ، فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة اختيارية اجتماعية
نفسية ، وهي أعقد من ان ينظر إليها بهذه البساطة ، بل وهي أبعد من أن يحيط بها
التصور الإنساني في نظرة سريعة عابرة .
الا أن هذا لا يمنع ان يدرك الإنسان هذين الاستعدادين في الجنسين ، ويدرك أنهما
فطريان فيهما ، وليسا وليدين لظروف طارئة ، أو نتيجة لتراكمات الحضارات الإنسانية
المتعاقبة -كما يحلو لبعض الناس ان يقول-، وهذا ما أكده الباحثون النفسيون أيضاً ،
وكما يقول (شفارتس) :
(ولنا ان نشك فيما إذا كانت الظروف الخارجية تؤثر تأثيراً قوياً في الخلق الأنثوي
–كما يدعي علماء الاجتماع– أي أن هذه الظروف لا تغير من انفعالية المرأة بل هي تغير
من سلوكها ، بالرغم من طبيعتها التي يمكن أن تظل سليمة تحت الطلاء الاجتماعي .
(ذلك ان مزاج المرأة هو وظيفة طبيعية تمتاز بليونة مدهشة ، مثال ذلك : أنه مهما بلغ
عدد الفرق الدينية ، أو الذين يقتصرون على النباتات في طعامهم ، فإن هذا الأمر لا
يغير في تركيب جهاز الإنسان الهضمي ووظيفته ، وهي تقوم على هضم كل من اللحوم
والنباتات (1) .) .
ولأن تلك الإيجابية في الرجل وهذه الانفعالية في المرأة سمتان طبيعيتان فيهما ، لم
يستطع أنصار المرأة المعاصرون إنكارها كواقع فعلي قائم ، الا حيث تحيد بهم الأهواء
عن النظرة الموضوعية ، والا حيث تفرض بعض الظروف حكمها عليها ، او تقتضي كبتها ،
ومع هذا تبقى هي الظاهرة العميقة الجذور في كياني كلٍ من الرجل والمرأة على حدّ
سواء ، ويصعب عليهم القفز عليها ، او استبعادها فيما يرسمونه من قوانين ومناهج
تربوية وأخلاقية ، حيث ستنعكس آثار هذا الاستبعاد والتجاوز سلباً على حياة المجتمع
وسعادته وهنائه .
اذن –ولهذه الفطرية في الاستعدادين ، ولحاجة البيت والاسرة إلى القيادة الرشيدة–
جعل الإسلام القوامة للرجل على المرأة في العلاقة الزوجية ، وأعدّ له موقع القيادة
والفاعلية ، وأوجب عليه أن يأخذ بزمام التوجيه في هذه الوحدة القائمة في الأسرة
المسلمة ، فبدون مثل هذه القوامة يستحيل على هذه الأسرة ان تتسق خطواتها في الطريق
القويم ، ولن تسلم مسيرتها من المطبات والكوارث ، ولن تصل –من ثم– إلى حيث تنشده من
الكمال والسعادة .
القِوامة ومسؤولية الرجل
ومما ينبغي ان يعلم في هذا المجال : ان هذه القوامة التي جعلها الإسلام
والقرآن للرجل لا تعني تفضيله المطلق على المرأة ، كما لا تعني كرامته عليها عند
الله –جلت قدرته- دون الوفاء بمسؤولياته الإلهية ، التي حددتها له الشريعة في هذه
القوامة ، وقيادة الأسرة المسلمة في سبيلها القويم نحو غايات استكمالها ، أو ما
سميناه في بحث سابق : تحقق (المعروف) .
أي ان هذه القوامة لا تعني كرامته عليها عند الله (تعالى) دون عنصر (التقوى) الذي
أخذه القرآن مضماراً للتفاضل في الكرامة لديه (عز وجل) ، وميزاناً لقياس الفضل عنده
.
تماماً كما لم يكن ذلك الاختلاف الفطري بين طبيعتي الرجل والمرأة تفضيلاً له عليها
في موقع التكوين والإيجاد -كما قد يتوهم البعض-، وان استوجب هذا الاختلاف تبعيتها
له مدى القرون ، اذ المقاييس يجب ان تنبع من الواقع نفسه ، ومن المهمات التي انيطت
بكل من الجنسين ، وعليها يجب ان تعتمد دونما شيء آخر سواه .
والواقع يؤكد أن ذلك الاختلاف إنما هو من مقتضيات التقاسم الفطري لمهمات الحياة ،
وقد أنشأه بارىء الخلق في كياني كل من الرجل والمرأة من أجل تمكينهما على بلوغ
الغايات العليا للتكوين ، في مسيرة موحدة متكاملة الأدوار والمواقع ، هيّنة المسعى
، هنيئة الثمار ، دون أدنى انحراف او سلبيات.
وهذا ما يشير إليه التعبير القرآني المتقدم في آية سورة النساء ، إذ قال (تعالى) :
((بما فضّل الله بعضهم على بعض )) .
فهو يؤكد ان جعل هذه القوامة للرجل على المرأة ، إنما كان بسبب ما أعدّه الله
(سبحانه) في الرجل من إمكانات وطاقات ، يستطيع بها الوفاء بمتطلبات هذه القوامة ،
والأخذ بزمام الأسرة إلى حيث شاءته لها حكمة التكوين ، بثبات ويسر وهدوء ، يكفل لها
بلوغ غاياتها العليا ، بعيداً عن تقلبات العواطف ، ولهيب المشاعر التي جبلت عليها
المرأة –بدورها– من أجل إنجاح مهماتها الطبيعية في الحنو على عائلتها ، وتربيتها
لأطفالها ، وملئها لحياة أسرتها بهجة ، وسعادة وهناء .
ولا ريب ان هذه العواطف والمشاعر مما فضلت به المرأة على الرجل ، من أجل أداء
مهماتها التي تتكامل مع مهمات الرجل في الأسرة ، ويكفينا لتصور مدى اهميتها ان تحرم
أسرة من الأسر من تلك المشاعر والعواطف ، أو يُحرم منها بعض الناس لعدم انتمائهم
إلى أسرة من الأسر , فيها من النساء من تملؤهم حناناً وإشباعاً لتلك العواطف ، كما
في أولئك الذين كتب عليهم ان يعيشوا بعيداً عن أسرهم .
ويكفينا لتصور مدى أهمية تلك العواطف والمشاعر -أيضاً- ، أن نتصور أن المرأة التي
تشرف على الأسرة لا تتصرف مع أبنائها وزوجها ، وافراد عائلتها الآخرين ، إلا من
خلال المنطق العقلي الجاف ، البعيد عن الحنان ، ولهيب مشاعر الحب ، فما الذي ستكون
عليه مثل هذه الأسرة ؟، وكيف ستكون صلة كل من أفرادها بالآخرين ؟؟ ..
نعم ، لا ريب ان هذه العواطف والمشاعر والإنفعالية ، إنما هي بعض جوانب تفضيل
المرأة الرجل ، من أجل أن تفي برسالتها الكبرى في الحياة ، إلا أن هذه العواطف
المتأججة والمشاعر اللاهبة ، مما يفقد المرأة -ولا ريب- أهليتها لأن تمتلك زمام
الأسرة ، وتسلب منها كفاءتها في الأخذ بها -كما هو شأن الرجل- إلى حيث تطمح إليه
تلك الشريحة الاجتماعية ، من السعادة والكمال .
ولعل هذه الناحية كانت بعض أوجه التعبير القرآني المتقدم ، إذ قال : ((بما فضّل
الله بعضهم على بعض)) ، بينما لو كان القرآن يرى تفضيلاً مطلقاً للرجل لكان المناسب
أن يكون التعبير ((بما فضلهم الله عليهن)) ، ولم يجعل التفضيل وارداً للبعض غير
المعين على البعض غير المعين ، وهي صيغة تقتضي ملاحظة التفضيل في جهاته المختلفة
بحسب المواهب الإلهية ، والتكامل بين المهمات والمواقع ، التي أعدّ لها كل من الرجل
والمرأة- ، ليكون لكل فضله بما أعدّه الله (تعالى) فيه من المواهب ، لأداء دوره في
موقعه ، ويكون لكل فضله في المنح الربانية التي جبل عليها من أجل الوفاء بمتطلبات
ذلك الموقع .. وهذه هي السنة الجارية في الوجود وفي الحياة بشكل عام .
وهذه الناحية مما التفت إليه الباحثون العلميون أيضاً ، حيث يقول أحدهم :
(ليس من الذوق السليم الإدعاء بأن (الأنثى) هي الأصل ، وان (الرجل) منشق منها (فقط)
، او القول بأن الذكر هو (النموذج) الأمثل ، وكذلك الحال فيما يتعلق بجميع الفروق
البيولوجية بين الجنسين ..
(فلنذكر -على سبيل المثال- الصفات التي يميز بها (هنلوك اليس) الأنثى: تمتاز الأنثى
بشدة حاسيتها وانفعالها ، ويقل عندها الميل إلى التعبير ، بل هي تميل إلى المحافظة
، وتنزع نزعة طفولية بيولوجية ..
(واعتبار بعض هذه الصفات ، أو جميعها ، عوامل سموّ أو نقص ، إنما هو جزء من بعض
الأفكار البالية ، يدل على نقص في الوعي العلمي ، وذلك لأنه لا يمكن قياس الوقائع
البيولوجية بمقياس غير بيولوجي ، والمعيار الحقيقي هو المعيار الذي تلائم فيه صفة
من الصفات حاجات من يحمل هذه الصفة ..(1)) .
إذن ، فايجابية الرجل ، وما أعد فيه من قوة التعقل والتبصر والنظرة الموضوعية
للأمور ، هي التي تتناسب وما أعدته له حكمة الخلق من مهمات في حياته، كما ان
انفعالية المرأة ، وتأجج عواطفها ، وتوثب أحاسيسها هي التي تتناسب وما أعدته لها
تلك الحكمة أيضاً من دور في حياتها ، ومن تكامل جميع هذه السمات -التي أوجدت في
ركني الأسرة معاً- يمضي ركبها إلى غاياته العليا ، في أيسر ما يتصور له من السبل
وأسعدها .
ومعنى هذا : ان تكون المرأة في كنف زوجها ، وتحت ظله ، لا العكس ، لتصبح العائلة في
مهبّ رياح العواطف التي جبلت عليها المرأة ، وتوثب أحاسيسها ، ولا مع استقلالها عن
الرجل ، لينهدم أول صرح من صروح المجتمع وأمكنها في الحياة الإنسانية ، وليعيش كل
من الرجل والمرأة شقاء لا أمد له ، ولا انتهاء ..
القوامة الإسلامية ومسار الفطرة
والقوامة الإسلامية -وهي تأتي ضمن هذا المسار الفطري لتكويني كل من الرجل
والمرأة معاً- إنما جعلت للرجل بما فضلّه الله به من الطاقات التي تمكنه من تحمّل
أعباء مسؤولياته في قيادة ركب العائلة ، والقدرة على التبصّر الواعي الرشيد ،
والثبات في الأحوال الصعبة التي يمر بها هذا الركب ، ورعايته إياها حتى بلوغ الهدف
المنشود ..
و -في الوقت نفسه- بما فضّل الله (تعالى) به المرأة من عواطف وأحاسيس نبيلة تمكنها
من أداء مسؤولياتها في الأسرة ، وانفعالية تهيئها للعيش في كنف رجلها ، الذي تعتقد
أهليته لتحقيق طموحاتها المشروعة في تكامل البنية العائلية، ودفء عواطفها ،
واستقامة مسيرتها نحو الغايات الإلهية ، التي رسمها الله (جل شأنه) للبيت المسلم .
إذن ، فليست قوامة الرجل -وكما سبقت الإشارة إليه مراراً- زيادة شرف للرجل ، أو
أفضليّة مطلقة له على المرأة ، وإنما هو (المعروف) ، وإنما هي (التقوى) ، وإنما هو
الوفاء بالمسؤولية الإلهية في الإمساك بزمام المسيرة العائلية المباركة في سبيل
الحياة المثلى ، حيث أمكن للرجل -في ايجابيته تجاه ضرورات الحياة ، وقدرته الحازمة
، ونظرته المتعقلة للأمور- ان يتخذ القرار الصائب ، وإن كان في أصعب الأحوال .
وإنما هو -بعد هذا- وفاؤه بمسؤوليته في الإنفاق على العائلة ، وتوفير ما تحتاجه من
ضرورات الحياة ، التي لابد لها منها ، سواء في تمضية معيشتها ، أم في حفظ كرامتها.
وهكذا كان من شؤون هذه القوامة الإسلامية ان يكون الرجل هو الراعي للأسرة ، وإدارة
شؤونها ، والأخذ بها وبأبنائها إلى ما يريده الله (تعالى) لهم جميعاً من السعادة
والهدى ، حين شرع للأسرة أحكامها ، ورسم لها حدودها الإسلامية .
.. كما كان من شؤون هذه القوامة الإسلامية ان يكون الرجل هو المنفق على الأسرة بما
يمكّنها من العيش المناسب لموقعها الإجتماعي ، وما يناسب إمكاناته على هذا الإنفاق
.
أما حيث يشذ الرجل -في مهمته هذه- عن بعض أصولها أو غاياتها .. وأما حين يتخذ من
موقعه الخاص هذا ذريعة للتسلط ، والقهر ، والتجاوز على الحدود الإلهية وحقوق
الآخرين ، فإن القوامة ستسلب منه حينئذ ، كما أن له من الكوابح الإسلامية المناسبة
ما يقف به عند حده – كما هو معلوم -.
مسؤولية المرأة تجاه قوامة الرجل
وطبيعي ان تنتظم في هذا الخط أيضاً مسؤولية الطرف الآخر من هذه العلاقة
المباركة ، أعني مسؤولية المرأة ضمن موقعها الذي أعدته لها حكمة التكوين في الحياة
، ونظمته حكمة التشريع في مناهجها وأحكامها .
فالأسرة المسلمة –وكما هو مقتضى النشأة الإنسانية أيضاً– كيان واحد ، له في دين
الله –سبحانه– أصوله ومناهجه ، وله أهدافه الكبرى ، التي لا يمكن تحققها دون ذلك
التكامل العام ، والتوحد المطلق في مختلف الشؤون .
إنها ركب واحد ، له في الحياة مسار واحد ، ومهمات واحدة ، وغايات واحدة .
وحين اقتضت هذه الوحدة من الإسلام أن يجعل القوامة ، واتخاذ القرار ، وقيادة
المسيرة بيد الزوج ، حيث مهّدت له فطرته لمثل هذه المهمات ، فمن الطبيعي حينئذ ان
يجعل واجبات المرأة ومسؤولياتها كافة ، من خلال تبعيتها لزوجها ، والانضواء تحت
كنفه والسير تحت لوائه ، وهي واجبات ومسؤوليات مهدت الحكمة الخالقة لها في أعماق
تكوينها الذاتي –كما أشرنا-، وأمدتها بها حين ملّكتها هذه الحكمة تلك العواطف
والأحاسيس ، والقدرة على الانفعالية ..
ولكن على الطرفين ان يعلما ان مهماتهما ومسؤولياتهما كافة في دين الله إنما تمضي
على أساس ما يريده الله – سبحانه – لهما من (المعروف) ، والاستقامة مع مبادئه التي
شرعها الله لتحقيقه ، وسن من أجلها أحكامه ، دون أدنى تفاوت ، أو تجاوز عن حدوده .
إذن ، فمهمة المرأة في البيت المسلم ، لا تعني الغضّ من شأنها ، أو الهوان في
كرامتها عند الله ، أو الدونية في موقعها في هذا البيت ، وإنما هو التقاسم الرشيد
للمهمات ، والانتظام المتكامل للأدوار ، وإنما هي مستلزمات وحدة الركب ، واستقامة
مسيرته نحو أهدافه الإلهية .
وإنما هي – قبل هذا كله – مقتضيات حكمة الخلق والتدبير ، حين أنشأت كلاً من الرجل
والمرأة بخصائصه وسماته الخاصة ، من أجل الوصول إلى الغايات الرشيدة في الحياة .
على ان موضوع القيادة والتصدر لبعض الناس على بعض ، مسألة عامة في كل شريحة
اجتماعية تتصور ، وان كانت مؤقتة العلاقات ، محدودة الأهداف .
إذ ما أن يمضي شخصان -أو أكثر- في القيام بمهمة مشتركة ، إلا وكان لأحدهم نوع من
التصدر والأسبقية على من معه ، وكان له نوع من التقدم ، والأخذ بزمام المبادرة في
تلك المهمة ، وبهذا التصدر تتوحد تلك الجماعة في كلمتها ، وتنتظم خطواتها في سعيها
، حتى اكتمال مهماتها التي جمعتها ككيان واحد .
وهذا التصدر قد يكون بتعيين الجماعة نفسها لشخص منها ، ترى فيه الكفاءة لتلك المهمة
، وقد يكون بإملاء من له نوع من السلطان على هذه الجماعة ، وقد يكون تلقائياً في
حالات تبرز فيها بعض مؤهلات ذلك الشخص، فيكتسب ثقة الآخرين ، ومن ثم رضاهم بتقدمه
عليهم ، بل وقد يكون التصدر أمراً خفياً ، لا يلتفت إليه حتى أفراد تلك الجماعة ،
وان كان في حقيقته موجوداً ..
وهذه القوامة -كما قلت في بداية هذا الفصل- هي الدرجة التي ذكرتها آية سورة
(البقرة) المتقدمة : (وللرجال عليهن درجة) ..
وهي درجة تنتظم مع (المعروف) الذي أنيطت به مسؤوليات كل من الرجل والمرأة في
علاقتهما الزوجية المسلمة ، إذ لا تقدم للرجل في هذه الدرجة، إلا في سبيل المعروف ،
ومن أجل تحقيقه ، لا من أجل أي شيء آخر سواه .
فالمعروف -في بدئه- أصل الإسلام نفسه ، وهو ركنه الذي يعتمده في علاقته مع الإنسان
، ومع حياته في جميع آفاقها ومواقعها ، وفي بناء أي علاقة للإنسان تتصور ، بدءاً من
علاقته الذاتية ببارىء وجوده ، وحتى آخر علاقة له مع ذاته ، ومع ما حوله من مظاهر
الوجود ، ومن حوله من أبناء مجتمعه الذي يعيش فيه .
وعلى هذا ، فإن هذه الدرجة التي أنيطت مهماتها بالرجل ، إنما هي مظهر من مظاهر ذلك
المعروف الذي ألقيت على الرجل مسؤوليته -في جانب منه- ليصل بالأسرة ككل ، ويصل بكل
فرد من أفرادها ، إلى حيث ينتظم بهم أمر الله (تعالى) ونهيه ، ويحقق -بهذا
الانتظام- رسالته في هذه الحياة ..
.. كما ألقيت مسؤوليته على المرأة -في الجانب الآخر- ، لتنال -بإطاعتها لزوجها ،
وقيامها بمهماتها في تربية أبنائها ، وملء بيتها بالعواطف النبيلة ، والأحاسيس
والمشاعر .